أحمد زكي صفوت

64

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

فقال المهدى : أما علىّ فقد نوى سمت اللّيان « 1 » ، وفضّ القلوب في أهل خراسان ، ولكلّ نبإ مستقرّ ، فقال : ما ترى يا أبا محمد يعنى موسى ابنه ( الهادي ) . 59 - مقال موسى بن المهدى فقال موسى : « أيها المهدى : لا تسكن إلى حلاوة ما يجرى من القول على ألسنتهم ، وأنت ترى الدماء تسيل من خلل فعلهم ، الحال من القوم ينادى بمضمرة شر ، وخفيّة حقد ، قد جعلوا المعاذير عليها سترا ، واتخذوا العلل من دونها حجابا ، رجاء أن يدافعوا الأيام بالتأخير ، والأمور بالتطويل ، فيكسروا حيل المهدى فيهم ، ويفنوا جنوده عنهم ، حتى يتلاحم أمرهم ، وتتلاحق مادّتهم ، وتستفحل حربهم ، وتستمر الأمور بهم والمهدى من قولهم في حال غرّة ، ولباس أمنة ، قد فتر لها ، وأنس بها ، وسكن إليها . ولولا ما اجتمعت به قلوبهم ، وبردت عليه جلودهم من المناصبة بالقتال ، والإضمار للقراع ، عن داعية ضلال ، أو شيطان فساد ، لرهبوا عواقب أخبار الولاة ، وغبّ بسكون الأمور ، فليشدد المهدى وفّقه اللّه أزره « 2 » لهم ، ويكتّب كتائبه نحوهم ، وليضع الأمر على أشد ما يحضره فيهم ، وليوقن أنه لا يعطيهم خطّة يريد بها صلاحهم ، إلا كانت دربة إلى فسادهم ، وقوة على معصيتهم ، وداعية إلى عودتهم ، وسببا لفساد من بحضرته من الجنود ، ومن ببابه من الوفود الذين إن أقرّهم وتلك العادة ، وأجراهم على ذلك الأرب ، لم يبرح في فتق حادث ، وخلاف حاضر ، لا يصلح عليه دين ، ولا تستقيم به دنيا ، وإن طلب تغييره بعد استحكام العادة ، واستمرار الدّربة ، لم يصل

--> ( 1 ) الليان : الملاينة . مصدر لابن ، والسمت : الطريق . ( 2 ) القوة والظهر .