أحمد زكي صفوت
59
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
ملتبس الشك . فاعزم يهد اللّه إلى الصواب قلبك . وقل ينطق اللّه بالحق لسانك . فإن جنودك جمّة . وخزائنك عامرة . ونفسك سخيّة . وأمرك نافذ » . فأجابه المهدى : « المشاورة والمناظرة بابا رحمة ومفتاحا بركة . لا يهلك عليهما رأى ، ولا يتفيّل « 1 » معهما حزم ، فأشيروا برأيكم ، وقولوا بما يحضركم ، فإني من ورائكم ، وتوفيق اللّه من وراء ذلك » . 56 - مقال الربيع بن يونس « 2 » وقال الربيع : أيها المهدى : إن تصاريف وجوه الرأي كثيرة . وإن الإشارة ببعض معاريض القول يسيرة . ولكن خراسان أرض بعيدة المسافة . متراخية الشّقّة « 3 » . متفارقة السّبل فإذا ارتأيت من محكم التدبير . ومبرم التقدير . ولباب الصواب ، رأيا قد أحكمه نظرك ، وقلّبه تدبيرك . فليس وراءه مذهب طاعن . ولا دونه معلق لخصومة عائب . ثم خبّت البرد « 4 » به ، وانطوت الرّسل عليه ، كان بالحرى أن لا يصل إليهم محكمه . إلا وقد حدث منهم ما ينقضه . فما أيسر أن ترجع إليك الرسل . وترد عليك الكتب بحقائق أخبارهم ، وشوارد آثارهم ، ومصادر أمورهم ، فتحدث رأيا غيره ، وتبتدع تدبيرا سواه ، وقد انفرجت الحلق ، وتحلّلت العقد ، واسترخى الحقاب « 5 » ، وامتد الزمان . ثم لعلم موقع الآخرة كمصدر الأولى . ولكن الرأي أيها المهدى وفقك اللّه . أن تصرف إجالة النظر ، وتقليب الفكر فيما جمعتنا له ، واستشرتنا فيه من التدبير لحربهم ، والحيل في أمرهم ، إلى الطلب لرجل ذي دين فاضل ، وعقل كامل ، وورع
--> ( 1 ) قال رأيه وتفيل : أخطأ وضعف . ( 2 ) وزر لأبى جعفر المنصور وقتله الهادي سنة 170 ه ( 3 ) البعد والسفر البعيد . ( 4 ) جمع بريد : وهو الرسول ، وخبت : أسرعت . ( 5 ) الحقاب : ما تشده المرأة في وسطها .