أحمد زكي صفوت

48

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

وما له على الأرض مال ، وما من مال إلا ودونه يد شحيحة تحويه ، فما يزال اللّه يلطف بذلك الطفل ، حتى تعظم رغبة الناس إليه ، ولست بالذي تعطى ، بل اللّه يعطى من يشاء ما شاء ، وإن قلت إنما أجمع المال لتشديد السلطان ، فقد أراك اللّه عبرا في بنى أمية ، ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذهب والفضة ، وأعدّوا من الرجال والسلاح والكراع ، حتى أراد اللّه بهم ما أراد ، وإن قلت إنما أجمع لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنا فيها فو اللّه ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة ، لا تدرك إلا بخلاف ما أنت عليه يا أمير المؤمنين ، هل تعاقب من عصاك بأشد من القتل ؟ قال المنصور : لا ، قال : فكيف تصنع بالملك الذي خوّلك ملك الدنيا ، وهو لا يعاقب من عصاه بالقتل ؟ ولكن بالخلود في العذاب الأليم ، قد رأى ما قد عقد عليه قلبك ، وعملته جوارحك ، ونظر إليه بصرك ، واجترحته « 1 » يداك ، ومشت إليه رجلاك ، هل يغنى عنك ما شححت عليه من ملك الدنيا إذا انتزعه من يدك ، ودعاك إلى الحساب ؟ فبكى المنصور وقال : يا ليتني لم أخلق ، ويحك ! فكيف أحتال لنفسي ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، إن للناس أعلاما يفزعون إليهم في دينهم ، ويرضون بهم ، فاجعلهم بطانتك يرشدوك ، وشاورهم في أمرك يسدّدوك ، قال : قد بعثت إليهم فهربوا منى ، قال : خافوا أن تحملهم على طريقتك ، ولكن افتح بابك ، وسهّل حجابك ، وانصر المظلوم ، واقمع الظالم ، وخذ الفىء والصدقات مما حل وطاب ، واقسمه بالحق والعدل على أهله ، وأنا الضامن عنهم أن يأتوك ويسعدوك على صلاح الأمة » ، وجاء المؤذنون ، فسلموا عليه ، فصلى وعاد إلى مجلسه ، وطلب الرجل فلم يوجد . ( عيون الأخبار م 2 : ص 333 ، والعقد الفريد 1 : 304 )

--> ( 1 ) اكتسبته .