أحمد زكي صفوت

44

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

وحجاب ضعيف ، لم يجزم في تفضيل الحلم ، وفي الاستيثاق من ترك دواعي الظلم ، ولم تر أهل النّهى . والمنسوبين إلى الحجا والتّقى ، مدحوا الحكّام بشدة العقاب . وقد ذكروهم بحسن الصّفح ، وبكثرة الاغتفار ، وشدة التغافل . وبعد ، فالمعاقب مستعدّ « 1 » لعداوة أولياء المذنب ، والعافي مستدع لشكرهم . آمن من مكافأتهم « 2 » أيام قدرتهم ، ولأن يثنى عليك باتساع الصدر ، خير من يثنى عليك بضيق الصدر « 3 » ، على أن إقالتك عثرة عباد اللّه ، موجب لإقالتك عثرتك من رب عباد اللّه . وعفوك عنهم موصول بعفو اللّه عنك ، وعقابك لهم موصول بعقاب اللّه لك . قال اللّه عزّ وجلّ : « خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ » . ( البيان والتبيين 2 : 55 ، وزهر الآداب 3 : 88 ) 43 - أبو جعفر المنصور والربيع وقال سعيد بن مسلم بن قتيبة : دعا المنصور بالربيع « 4 » ، فقال : سلني ما تريد ، فقد سكتّ حتى نطقت ، وخففت حتى ثقّلت . وقلّلت حتى أكثرت ، فقال : « واللّه يا أمير المؤمنين ، ما أرهب بخلك ولا أستقصر عمرك . ولا أستصغر فضلك ، ولا أغتنم مالك ، وإن يومى بفضلك علىّ أحسن من أمسى ، وغدك في تأميلى أحسن من يومى . ولو جاز أن يشكرك مثلي بغير الخدمة والمناصحة لما سبقني لذلك أحد » قال : صدقت ، علمي بهذا منك أحلّك هذا المحلّ ، فسلني ما شئت ، قال : أسألك أن تقرّب عبدك « الفضل « 5 » » وتؤثره وتحبّه ، قال : يا ربيع ، إن الحبّ ليس بمال يوهب

--> ( 1 ) وفي زهر الآداب : « مستودع » . ( 2 ) مجازاتهم . ( 3 ) وفي زهر الآداب : « خير من أن توصف بضيقه » . ( 4 ) هو أبو الفضل الربيع بن يونس ، وزر المنصور ، وكان مهيبا فصيحا كافيا حازما فطنا ، ولم يزل وزيرا المنصور إلى أن مات المنصور . وقام الربيع بأخذ البيعة للمهدى ، ثم سعى به أعداؤه إلى الهادي ، فقتله سنة 170 ه . ( 5 ) هو ابنه الفضل بن الربيع ، وقد وزر للرشيد بعد البرامكة ، وابنه الأمين كما سيأتي .