أحمد زكي صفوت
38
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
35 - خطبة النفس الزكية حين خرج على المنصور لما خرج محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علىّ بن أبي طالب الملقب بالنفس الزكية « 1 » على المنصور ، قام على منبر المدينة ، فحمد اللّه ، وأثنى عليه ، ثم قال : « أيها الناس : إنه قد كان من أمر هذا الطاغية أبى جعفر من بنائه القبّة الخضراء ، التي بناها معاندة للّه في ملكه ، وتصغيره الكعبة الحرام ، وإنما أخذ اللّه فرعون حين قال : « أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى » . وإن أحقّ الناس بالقيام في هذا الدين أبناء المهاجرين الأولين ، والأنصار المواسين ، اللهم إنهم قد أحلّوا حرامك ، وحرّموا حلالك وعملوا بغير كتابك ، وغيّروا عهد نبيك صلى اللّه عليه وسلم ، وآمنوا من أخفت ، وأخافوا من آمنت ، فأحصهم عددا ، واقتلهم بددا « 2 » ، ولا تبق على الأرض منهم أحدا » . ( ذيل الأمالي ص 121 ) .
--> ( 1 ) كان بنو هاشم - الطالبيون والعباسيون - قد اجتمعوا أخريات العصر الأموي ، وتذاكروا حالهم وما هم عليه من الاضطهاد ، وما قد آل إليه أمر بنى أمية من الاضطراب ، واتفقوا على أن يدعوا الناس إليهم سرا ، ثم قالوا لا يد لنا من رئيس نبايعه ، فاتفقوا على مبايعة النفس الزكية ، وكان من سادات بني هاشم ورجالهم فضلا وشرفا وعلما ، وشاء الفدر أن يظفر العباسيون بالخلافة ، فوليها السفاح ثم المنصور ، ولم يكن للمنصور هم منذ تبوأ عرشها سوى طلب النفس الزكية ليقتنه ، وأغراه بذلك أن الناس كانوا شديدي الميل إليه ، وكانوا يعتقدون فيه الفضل والشرف والرئاسة ، فطلبه المنصور هو وأخاه إبراهيم من أبيهما عبد اللّه بن الحسن ، فقال لا علم لي بهما - وكانا قد تغيبا خوفا منه - فلما أطال عليه ، قال : كم الطول ؟ واللّه لو كانا تحت قدمي ، لما رفعتهما عنهما ، سبحان اللّه ! آتيك بولدي لتقتلهما ! فقبض عليه ، وعلى أهله من بنى الحسن وحبسهم في سجن الكوفة حتى ماتوا فيه كما تقدم ، ولم بزل النفس الزكية متغربا منذ أمضت الدولة إلى بنى العباس خوفا منه على نفسه ، فلما علم بما جرى لوالده ولقومه ظهر بالمدينة وأظهر أمره ، وتبعه أعيان المدينة ، ثم غلب عليها ، وعزل عنها أميرها ، ورتب عليها عاملا وقاضيا ، فوحه المنصور لقتاله جيشا بقيادة ابن أخيه عيسى بن موسى ، فكانت الغلبة لعسكر المنصور ، وقتل النفس الزكية ، وحمل رأسه إلى المنصور سنة 145 ه . ( 2 ) متبددين : متفرقين .