أحمد زكي صفوت

214

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

والمروءات يتركون منافعهم متى كانت عليهم فيها وصمة ، وقد قيل في مجلس عبد الملك ابن مروان : أشرب مصعب الخمر ؟ فقال عبد الملك - وهو عدوّ له محارب له على الملك - : لو علم مصعب أن الماء يفسد مروءته ما شربه ؛ والفضل ما شهدت به الأعداء . يا بنى ، وقد علمت أن الدنيا دار مفارقة وتغيّر ، وقد قيل : « اصحب من شئت فإنك مفارقه » فمتى فارقت أحدا فعلي حسني في القول والفعل ، فإنك لا تدرى : هل أنت راجع إليه ؟ فلذلك قال الأوّل : « ولما مضى سلم بكيت على سلم » ، وإياك والبيت السائر : وكنت إذا حللت بدار قوم * رحلت بخزية وتركت عارا واحرص على ما جمع قول القائل : « ثلاثة تبقى لك الودّ في صدر أخيك : أن تبدأه بالسلام ، وتوسّع له في المجلس ، وتدعوه بأحب الأسماء إليه » ، واحذر كل ما بيّنه لك القائل : « كل ما تغرسه تجنيه إلّا ابن آدم ، فإنك إذا غرسته يقلعك » وقول الآخر : « ابن آدم يتمسكن حتى يتمكّن » وقول الآخر : « ابن آدم ذئب مع الضعف ، أسد مع القوة » . وإياك أن تثبت على صحبة أحد قبل أن تطيل اختباره ، فيحكى أن ابن المقفع خطب من الخليل صحبته ، فجاوبه : « إن الصحبة رقّ ، ولا أضع رقّى في يدك حتى أعرف كيف ملكتك « 1 » » ، واستمل « 2 » من عين من تعاشره ، وتفقّد في فلتات الألسن وصفحات الأوجه ، ولا يحملك الحياء على السكوت عما يضرك أن لا تبيّنه ، فإن الكلام سلاح السّلم ، وبالأنين يعرف ألم الجرح ، واجعل لكل أمر أخذت فيه غاية تجعلها نهاية لك .

--> ( 1 ) ملكه ملكة بالتحريك ، وملكا مثلث الميم ، ومملكة مثلث اللام . احتواه قادرا على الاستبداد به . ( 2 ) من استمليته الكتاب : سألته أن يمليه على ، والمعنى : استرشد وتبين من نظرات عينه أحبيب لك هو أم عدو .