أحمد زكي صفوت

212

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

في جانبه لحسود لك منه ، يريد إبعادك عنه لمنفعته ، أو حسود له يغار لتجمّله بصحبتك ومع هذا فلا تغترّ بطول صحبته ، ولا تتمهّد بدوام رقدته ، فقد ينبّهه الزمان ، ويغيّر منه القلب واللّسان ، ولذا قيل : « إذا أحببت فأحبب هونا ما ، ففي الممكن أن ينقلب الصديق عدوا ، والعدو صديقا » وإنما العاقل من جعل عقله معيارا ، وكان كالمرآة يلقى كلّ وجه بمثاله ، وجعل نصب ناظره قول أبى الطيّب : ولما صار ودّ الناس خبّا * جزيت على ابتسام بابتسام « 1 » وفي أمثال العامة : « من سبقك بيوم فقد سبقك بعقل » ، فاحتذ بأمثلة من جرّب ، واستمع إلى ما خلّد الماضون بعد جهدهم وتعبهم من الأقوال ، فإنها خلاصة عمرهم ، وزبدة تجاربهم ، ولا تتكل على عقلك ، فإن النظر فيما تعب فيه الناس طول أعمارهم ، وابتاعوه غاليا بتجاربهم ، يربحك ويقع عليك رخيصا ، وإن رأيت من له مروءة وعقل وتجربة ، فاستفد منه ، ولا تضيع قوله ولا فعله ، فإن فيما تلقاه تلقيحا لعقلك ، وحثّا لك واهتداء . وإياك أن تعمل بهذا البيت في كلّ موضع : والحرّ يخدع بالكلام الطّيّب : فقد قال أحدهم : ما قيل أضرّ من هذا البيت على أهل التجمل ، وليس كل ما تسمع من أقوال الشعراء يحسن بك أن تتبعه حتى تتدبره ، فإن كان موافقا لعقلك ، مصلحا لحالك ، فراع ذلك عندك : وإلا فانبذه نبذ النواة ، فليس لكل أحد يتبسّم ، ولا كل شخص يكلّم ، ولا الجود مما يعمّ به ، ولا حسن الظن وطيب النفس مما يعامل به كل أحد ، وللّه درّ القائل : وما لي لا أوفى البريّة قسطها * على قدر ما يعطى وعقلي ميزان وإياك أن تعطى من نفسك إلا بقدر ، فلا تعامل الدّون بمعاملة الكفء ، ولا

--> ( 1 ) الخب : الخداع والخبث .