أحمد زكي صفوت
203
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
في ليلة نفر « 1 » ، كأنكم بها مطّرحة تعبر فيها المواشي ، وتنبو العيون عن خبرها المتلاشى « إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ » ما بعد المقيل إلا الرّحيل ، ولا بعد الرحيل إلا المنزل الكريم ، أو المنزل الوبيل ، وإنكم تستقبلون أهوالا ، سكرات الموت بواكر حسابها ، وعتب أبوابها ، فلو كشف الغطاء عن ذرّة منها لذهلت العقول وطاشت الألباب ، وما كلّ حقيقة يشرحها الكلام ، « يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ » أفلا أعددتم لهذه الورطة حيلة ، وأظهرتم للاهتمام بها مخيلة « 2 » ! أتعويلا على عفوه مع المقاطعة ؟ وهو القائل في مقام التهديد : « إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ » ، أأمنا من مكره مع المنابذة ؟ « فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ » أطمعا في رحمته مع المخالفة ؟ وهو يقول : « فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ » ، أمشاقّة ومعاندة ؟ « وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ » ، أشكّا في اللّه ؟ فتعالوا نعيد الحساب ، ونقرّر العقد ، ونتّصف بدعوة الحقّ ( أو غيرها ) من اليوم ، يفقد عقد العقائد عند التساهل بالوعيد « 3 » ، فالعامىّ يدمى الأصبع الوجعة ، والعارف يضمّد لها مبدأ العصب : هكذا هكذا يكون التّعامى * هكذا هكذا يكون الغرور « يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ » وما عدا مما بدا ، ورسولكم الحريص عليكم الرؤوف الرحيم يقول لكم : « الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ؛ والأحمق من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على اللّه الأماني » فعلام بعد هذا المعوّل ، وما ذا يتأوّل ؟ اتقوا اللّه تعالى في نفوسكم وانصحوها واغتنموا فرص الحياة وارتجوها ، « أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ
--> ( 1 ) أعرس القوم وعرسوا : نزلوا في آخر الليل للاستراحة ، ونفر الحاج من منى كضرب نفرا ونفورا . ( 2 ) المخيلة : الظن . ( 3 ) أي أن المرء إذا لم يحسب لوعيد اللّه حسابا ، واسترسل في اقتراف المعاصي والموبقات ، أفضى به ذلك إلى زلزلة العقيدة ، ولو أنه كان خالص الإيمان لا رعوى عما نهى عنه .