أحمد زكي صفوت

169

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

8 - خطبة منذر بن سعيد البلوطى « 1 » المتوفى سنة 355 ه في الاحتفال بقدوم رسل ملك الروم روى المؤرخون أن الخليفة عبد الرحمن الناصر لدين اللّه « 2 » ، بلغ من عزّة الملك ، ورفعة السلطان بالأندلس ، أن كانت ملوك الروم والإفرنجة تزدلف إليه ، تطلب مهادنته ، وتهدى إليه أنفس الذخائر ، ومن جملتهم قسطنطين بن ليون صاحب القسطنطينية ، فقد رغب في موادعته ، وبعث إليه سنة 338 ه وفدا من قبله بهدية له ، فتأهّب الناصر لورودهم ، واحتفل بقدومهم احتفالا رائعا ، أحبّ أن يقوم فيه الخطباء والشعراء بين يديه ، لتذكر جلالة ملكه ، وعظيم سلطانه ، ونصف ما تهيأ من توطيد الخلافة في دولته ، وتقدم إلى الأمير الحكم ابنه وولىّ عهده ، بإعداد من يقوم بذلك من الخطباء ، فأمر الحكم صنيعه الفقيه محمد بن عبد البرّ بالتأهب لذلك ، وكان يدّعى من القدرة على تأليف الكلام ما ليس في وسع غيره ، وحضر المجلس السلطاني ، فلما قام يحاول التكلم ، بهره هول المقام ، وأبّهة الخلافة ، فلم يهتد إلى لفظة ، بل غشى عليه وسقط إلى الأرض ، فقيل لأبى علىّ القالى - صاحب الأمالي ، وهو حينئذ ضيف الخليفة الوافد عليه من العراق - : قم فارقع هذا الوهى « 3 » ، فقام فحمد اللّه ، وأثنى عليه بما هو أهله ، وصلى على نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم انقطع به القول ، فوقف ساكتا متفكّرا

--> ( 1 ) ولد سنة 265 ه ، وتوفى سنة 355 ه ، وكان خطيبا بليغا عالما بالجدل حاذقا فيه ، شديد العارضة حاضر الجواب عتيده ، ثابت الحجة ، ولى بقرطبة قضاء الجماعة - المعبر عنه في المشرق بقضاء القضاة - لعبد الرحمن الناصر ، ثم لابنه الحكم المستنصر ، ستة عشر عاما من سنة 339 إلى سنة 355 ، لم يحفظ عليه فيها جور في قضية ، ولا قسم بغير سوية ، ولا ميل لهوى . ( 2 ) هو عبد الرحمن الثالث ابن محمد بن عبد اللّه بن محمد بن عبد الرحمن الثاني ابن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل ، حكم الأندلس من سنة 300 ه إلى سنة 350 ه ، وهو أول من تسمى من أمراء بنى أمية بالأندلس بأمير المؤمنين عندما التاث أمر الخلافة بالمشرق ، وغلب موالى الترك على بنى العباس ، وبلغه أن المقتدر قتله مولاه مؤنس المظفر سنة 317 ه . ( 3 ) الوهى : الشق في الشئ .