أحمد زكي صفوت
142
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
اجتمع عليك أمر يومين ، فشغلك ذلك حتى تعرض عنه ، فإذا أمضيت لكل يوم عمله أرحت نفسك وبدنك ، وأحكمت أمور سلطانك ، وانظر أحرار الناس وذوى الشرف منهم ، ثم استيقن صفاء طويتهم ، وتهذيب مودتهم لك ، ومظاهرتهم بالنصح والمخالصة على أمرك ، فاستخلصهم وأحسن إليهم ، وتعاهد أهل البيوتات ممن دخلت عليهم الحاجة ، فاحتمل مئونتهم ، وأصلح حالهم ، حتى لا يجدوا لخلّتهم « 1 » مسّا ، وأفرد نفسك بالنظر في أمور الفقراء والمساكين ، ومن لا يقدر على رفع مظلمته إليك ، والمحتقر الذي لا علم له بطلب حقه ، فاسأل عنه أحفى مسألة ، ووكّل بأمثاله أهل الصلاح من رعيتك ، ومرهم برفع حوائجهم وحالاتهم إليك ، لتنظر فيها بما يصلح اللّه به أمرهم ، وتعاهد ذوى البأساء ويتاماهم وأراملهم ، واجعل لهم أرزاقا من بيت المال ، اقتداء بأمير المؤمنين - أعزه اللّه - في العطف عليهم والصلة لهم ، ليصلح اللّه بذلك عيشهم ، ويرزقك به بركة وزيادة ، وأجر للأضرّاء من بيت المال ، وقدّم حملة القرآن منهم والحافظين لأكثره في الجراية « 2 » على غيرهم ، وانصب لمرضى المسلمين دورا تؤويهم ، وقوّاما يرفقون بهم ، وأطباء يعالجون أسقامهم ، وأسعفهم بشهواتهم ، ما لم يؤدّ ذلك إلى سرف في بيت المال ، واعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم وأفضل أمانيّهم ، لم يرضهم ذلك ، ولم تطب أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم ، طمعا في نيل الزيادة وفضل الرفق منهم ، وربما برم « 3 » المتصفح لأمور الناس ، لكثرة ما يرد عليه ، ويشغل فكره وذهنه منها ما يناله به مئونة ومشقة ، وليس من يرغب في العدل ، ويعرف محاسن أموره في العاجل ، وفضل ثواب الآجل ، كالذي يستقبل ما يقرّبه إلى اللّه ، ويلتمس رحمته به وأكثر الإذن للناس عليك ، وأبرز لهم وجهك ، وسكن لهم أحراسك ، واخفض لهم جناحك ، وأظهر لهم بشرك ، ولن لهم في المسألة والمنطق ، واعطف عليهم بجودك وفضلك ، وإذا أعطيت فأعط بسماحة وطيب نفس ، والتمس الصنيعة والأجر غير مكدّر ولا منّان
--> ( 1 ) الخلة : الحاجة . ( 2 ) في المقدمة : « في الجرائد » . ( 3 ) ضجر ومل .