أحمد زكي صفوت
139
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
وسيرة المحسنين ، وقضى الحقّ فيما حمّل من النعم ، وألبس من العافية والكرامة ، ولا تحقرنّ ذنبا ، ولا تمالئن حاسدا ، ولا ترحمن فاجرا ، ولا تصلن كفورا ، ولا تداهنن عدوّا ، ولا تصدقنّ نمّاما ، ولا تأمنن غدارا ، ولا توالين فاسقا ، ولا تتبعن غاويا ، ولا تحمدن مرائيا ، ولا تحقرن إنسانا ، ولا تردّن سائلا فقيرا ، ولا تجيبن « 1 » باطلا ، ولا تلاحظن مضحكا ، ولا تخلفن وعدا ، ولا تزهونّ فخرا ، ولا تظهرن غضبا ، ولا تأتين بذخا « 2 » ، ولا تمشين مرحا ، ولا تركبن سفها « 3 » ، ولا تفرّطن في طلب الآخرة ، ولا ترفع للنمام عينا ، ولا تغمضن عن الظالم رهبة منه أو مخافة ، ولا تطلبن ثواب الآخرة بالدنيا ، وأكثر مشاورة الفقهاء ، واستعمل نفسك بالحلم ، وخذ عن أهل التجارب ، وذوى العقل والرأي والحكمة ، ولا تدخلن في مشورتك أهل الدقة « 4 » ، والبخل ، ولا تسمعن لهم قولا ، فإن ضررهم أكثر من منفعتهم ، وليس شيء أسرع فسادا لما استقبلت في أمر رعيتك من الشّح ، واعلم أنك إذا كنت حريصا كنت كثير الأخذ قليل العطية ، وإذا كنت كذلك لم يستقم لك أمرك إلا قليلا ، فإن رعيتك إنما تعتقد على محبتك ، بالكفّ عن أموالهم وترك الجور عنهم ، ويدوم صفاء أوليائك لك ، بالإفضال عليهم وحسن العطية لهم ، فاجتنب الشح . واعلم أنه أول ما عصى به الإنسان ربه ، وأن العاصي بمنزلة خزي ، وهو قول اللّه عزّ وجلّ : « وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » ، فسهّل طريق الجود بالحق ، واجعل للمسلمين كلهم من نيتك حظا ونصيبا ، وأيقن أن الجود من أفضل أعمال العباد ، فاعدده لنفسك خلقا ، وارض به عملا ومذهبا ، وتفقد أمور الجند في دواوينهم ومكاتبهم ، وأدرر عليهم أرزاقهم ، ووسّع عليهم في معايشهم ، ليذهب بذلك اللّه فاقتهم ، ويقوّم لك أمرهم ، ويزيد به قلوبهم في طاعتك وأمرك خلوصا وانشراحا ، وحسب ذي سلطان
--> ( 1 ) وفي المقدمة : « ولا تحسنن باطلا » . ( 2 ) البذخ : الكبر . ( 3 ) وفي المقدمة : « ولا تزكين سفيها » ( 4 ) وفي المقدمة : « أهل الرفة » .