أحمد زكي صفوت
109
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
100 - وصف الفضل بن الربيع غفلة الأمين وندب أسد بن يزيد بن مزيد لقتال طاهر وبعث الفضل بن الربيع بعد مقتل عبد الرحمن بن جبلة إلى أسد بن يزيد بن مزيد ، قال : فأتيته ، فلما دخلت عليه وجدته قاعدا في صحن داره ، وفي يده رقعة قد قرأها ، واحمرّت عيناه ، واشتد غضبه ، وهو يقول : « ينام نوم الظّربان « 1 » ، وينتبه انتباه الذئب ، همّته بطنه ، ولذّته فرجه ، لا يفكّر في زوال نعمته ، ولا يروّى في إمضاء رأى ولا مكيدة ، قد ألهاه كأسه ، وشغله قدحه ، فهو يجرى في لهوه ، والأيام تسرع « 2 » في هلاكه ، قد شمّر عبد اللّه له عن ساقه ، وفوّق له أصيب « 3 » أسهمه ، يرميه على بعد الدار بالحتف النافذ ، والموت القاصد « 4 » ، قد عبّى له المنايا على متون الخيل ، وناط « 5 » له البلاء في أسنّة الرماح ، وشفار السيوف » . ثم استرجع وتمثل بأبيات للبعيث « 6 » ، ثم التفت إلىّ فقال : « يا أبا الحارث ، إنا وإياك لنجرى إلى غاية ، إن قصّرنا عنها ذممنا ، وإن اجتهدنا في بلوغها انقطعنا ، وإنما نحن شعب من أصل ، إن قوى قوينا ، وإن ضعف ضعفنا ، إن هذا قد ألقى بيده إلقاء الأمة الوكفاء « 7 » ، يشاور النساء ، ويعتمد على الرؤيا . وقد أمكن أهل اللّهو والخسارة من سمعه ، فهم يعدونه الظفر ، ويمنّونه عقب « 8 » الأيام ،
--> ( 1 ) الظربان : دويبة فوق جرو الكلب منتنة الريح كثيرة الفسو ، يضرب بها المثل فيقال : « أفسى من ظربان » . ( 2 ) في الأصل « تضرع » وأراه محرفا . ( 3 ) أصيب : أفعل من صاب السهم يصيب صيبا : أي أصاب ، وسهم صيوب كصبور . ( 4 ) القاصد أي الكاسر ، من القصد بالفتح : هو الكسر بأي وجه كان ، أو بالنصف ، كالتقصيد ، يقال قصد المحة وقصدها : كسرها وفصلها فتقصدت . ( 5 ) علق . ( 6 ) هو خداش بن بشر المجاشعي ، أحد شعراء الدولة الأموية ، وكان يهاجى جريرا . ( 7 ) وصف من الوكف بالتحريك : وهو الإثم والعيب والنقص ، وكف كفرح إذا أثم ، وفي رواية الطبري « الوكعاء » بالعين ، وهي الحمقاء . ( 8 ) العقب كقفل وعنق : العاقبة .