أحمد زكي صفوت
10
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
ونقمته ، ما أمات باطله ، ومحق ضلاله ، وجعل دائرة السوء به ، وأحيا شرفنا وعزنا ، وردّ إلينا حقنا وإرثنا . أيها الناس ، إن أمير المؤمنين - نصره اللّه نصرا عزيزا - إنما عاد إلى المنبر بعد الصلاة ، أنه كره « 1 » أن يخلط بكلام الجمعة غيره ، وإنما قطعه عن استتمام الكلام بعد أن اسحنفر « 2 » فيه شدة الوعك ، وادعوا اللّه لأمير المؤمنين بالعافية ، فقد أبدلكم اللّه بمروان عدوّ الرحمن ، وخليفة الشيطان ، المتبع للسّفلة الذين أفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ، بإبدال الدين ، وانتهاك حريم المسلمين ، الشابّ « 3 » المتكهّل المتمهّل ، المقتدى بسلفه الأبرار الأخيار ، الذين أصلحوا الأرض بعد فسادها بمعالم الهدى ، ومناهج التقوى » - فعجّ الناس له بالدعاء - ثم قال : « يا أهل الكوفة : إنا واللّه ما زلنا مظلومين مقهورين على حقنا ، حتى أتاح اللّه لنا شيعتنا أهل خراسان ، فأحيا بهم حقنا ، وأفلج « 4 » بهم حجتنا ، وأظهر بهم دولتنا ، وأراكم اللّه ما كنتم به تنتظرون ، وإليه تتشوّفون ، فأظهر فيكم الخليفة من هاشم وبيّض به وجوهكم ، وأدالكم على أهل الشأم ، ونقل إليكم السلطان وعز الإسلام ، ومنّ عليكم بإمام منحه العدالة ، وأعطاه حسن الإيالة « 5 » ، فخذوا ما آتاكم اللّه بشكر ، والزموا طاعتنا ، ولا تخدعوا عن أنفسكم ، فإن الأمر أمركم ، فإن لكل أهل بيت مصرا ، وإنكم مصرنا ، ألا وإنه ما صعد منبركم هذا خليفة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلا أمير المؤمنين علىّ بن أبي طالب ، وأمير المؤمنين عبد اللّه بن محمد - وأشار بيده إلى أبى العباس - فاعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج منا ، حتى نسلمه إلى عيسى بن مريم صلى اللّه عليه ، والحمد للّه رب العالمين على ما أبلانا وأولانا » . ( تاريخ الطبري 9 : 126 ، وشرح ابن أبي الحديد م 2 : ص 213 )
--> ( 1 ) أي لأنه كره . ( 2 ) اسحنفر الخطيب : اتسع في كلامه . ( 3 ) كانت سنه حين ولى الخلافة 28 سنة إذ ولد سنة 104 ه . ( 4 ) نصر . ( 5 ) آل الملك رعيته إيالا : ساسهم ، وآل على القوم إيالا وإيالة : ولى .