أحمد زكي صفوت

93

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

لعنة اللّه والعباد ، إلى يوم التّناد « 1 » » قال : « إيها يا ابن عباس ، لقد أكثرت في ابن عمك » قال : « فما تقول في أبيك العباس ؟ » قال : « رحم اللّه العباس أبا الفضل ، كان صنو « 2 » نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقرّة عين صفىّ اللّه ، سيد الأعمام ، له أخلاق آبائه الأجواد ، وأحلام أجداده الأمجاد ، تباعدت الأسباب في فضيلته ، صاحب البيت والسّقاية والمشاعر « 3 » والتلاوة ، ولم لا يكون كذلك ، وقد ساسه أكرم من دبّ « 4 » » فقال معاوية : « يا ابن عباس ، أنا أعلم أنك كلمانىّ « 5 » أهل بيتك » قال : « ولم لا أكون كذلك ، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : اللهم فقّهه في الدين ، وعلّمه التأويل » . ثم قال ابن عباس بعد هذا الكلام : « يا معاوية ، إن اللّه جل ثناؤه ، وتقدّست أسماؤه ، خصّ محمدا صلى اللّه عليه وسلم بصحابة آثروه على الأنفس والأموال ، وبذلوا النفوس دونه في كل حال ، ووصفهم اللّه في كتابه فقال : ( رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً ، سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) ، قاموا بمعالم الدين ، وناصحوا الاجتهاد للمسلمين ، حتى تهذبت طرقه ، وقويت أسبابه ، وظهرت آلاء « 6 » اللّه ، واستقرّ دينه ، ووضحت أعلامه ، وأذل اللّه بهم الشرك ، وأزال روحه ، ومحا دعائمه ، وصارت كلمة اللّه هي العليا ، وكلمة الذين كفروا السّفلى ، فصلوات اللّه ورحمته وبركاته على تلك النفوس الزاكية ، والأرواح الطاهرة العالية ، فقد كانوا في الحياة للّه أولياء ، وكانوا بعد الموت أحياء أصحاء ، رحلوا إلى الآخرة قبل أن يصلوا إليها ، وخرجوا من الدنيا وهم بعد فيها » ، فقطع عليه معاوية الكلام ، وقال : إيها ابن عباس ، حديثا في غير هذا . ( مروج الذهب 2 : 84 )

--> ( 1 ) يوم القيامة . ( 2 ) الأصل فيه أنه إذا خرج نخلتان أو ثلاث من أصل واحد ، فكل واحدة منهن صنو والاثنان صنوان والجمع صنوان برفع النون . ( 3 ) شعار الحج بالكسر : مناسكه وعلاماته ، والشعيرة والشعارة بالفتح ، والمشعر : موضعها ، والمشعر الحرام بالمزدلفة . ( 4 ) في الأصل : « من دب » أي مشى والمعنى عليه صحيح ، ولكني أرجح أنه « من أدب » لقوله « وقد ساسه » . ( 5 ) رجل كلمانى بسكون اللام وفتحها وكلمانى بكسرتين مشدد اللام ، وبكسرتين مشدد الميم وتكلام وتكلامة بكسر فسكون وتشد لامهما : جيد الكلام فصيحه . ( 6 ) الآلاء : النعم جمع إلى ( بفتح أوله وكسره ) وألو ( بفتح أوله ) وإلى ( بفتح ثانيه وفتح أوله أو كسره ) .