أحمد زكي صفوت

63

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

50 - خطبة عبيد اللّه بن عبد اللّه المرى وحدّث رجل من مزينة قال : « ما رأيت من هذه الأمة أحدا كان أبلغ من عبيد اللّه بن عبد اللّه المرّىّ في منطق ولا عظة ، وكان من دعاة أهل المصر زمان سليمان ابن صرد ، وكان إذا اجتمعت إليه جماعة من الناس فوعظهم ، بدأ بحمد اللّه والثناء عليه والصلاة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم يقول : أما بعد : فإن اللّه اصطفى محمدا صلى اللّه عليه وسلم على خلقه بنبوّته ، وخصّه بالفضل كله ، وأعزّكم باتّباعه ، وأكرمكم بالإيمان به ، فحقن به دماءكم المسفوكة ، وآمن به سبلكم المخوفة : « وَكُنْتُمْ عَلى شَفا « 1 » حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ ، فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها ، كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ » فهل خلق ربكم في الأوّلين والآخرين أعظم حقّا على هذه الأمة من نبيّها ؟ وهل ذرية أحد من النبيين والمرسلين أو غيرهم أعظم حقّا على هذه الأمة من ذرية رسولها ؟ لا واللّه ما كان ولا يكون ، للّه أنتم ! ألم تروا ويبلغكم ما اجترم « 2 » إلى ابن بنت نبيكم ؟ أما رأيتم إلى انتهاك القوم حرمته ، واستضعافهم وحدته ، وترميلهم « 3 » إياه بالدم ، وتجرارهموه على الأرض ؟ لم يراقبوا فيه ربهم ولا قرابته من الرسول صلى اللّه عليه وسلم ! اتخذوه للنّبل غرضا ، وغادروه للضّباع جزرا « 4 » ، فللّه عينا من رأى مثله ! وللّه حسين بن علىّ ! ما ذا غادروا به ؟ ذا صدق وصبر ، وذا أمانة ونجدة وحزم ، ابن أول المسلمين إسلاما ، وابن بنت رسول رب العالمين ، قلّت حماته ، وكثرت عداته « 5 » حوله ، فقتله عدوه وخذله وليّه ، فويل للقاتل ، وملامة للخاذل ، إن اللّه لم يجعل لقاتله حجة ، ولا لخاذله معذرة ، إلا أن يناصح للّه في التوبة ، فيجاهد القاتلين ، وينابذ القاسطين ، فعسى اللّه عند ذلك أن يقبل التوبة ويقيل العثرة

--> ( 1 ) الشفا : حرف كل شيء . ( 2 ) ارتكب واقترف . ( 3 ) رمله : لطخه بالدم . ( 4 ) قطعا . ( 5 ) العداة : جمع عاد ، وهو العدو .