أحمد زكي صفوت
49
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
35 - خطبته ليلة قتله وسيّر إليه ابن زياد عمر بن سعد بن أبي وقّاص في أربعة آلاف ، فعدل الحسين إلى كربلاء ، وكانت بينهما مقابلات غير مجدية « 1 » . فنهض عمر إليه عشية الخميس ( 9 من المحرم سنة 61 ه ) فجمع الحسين أصحابه عند قرب المساء فقال : « أثنى على اللّه تبارك وتعالى أحسن الثناء ، وأحمده على السّرّاء والضّرّاء ، اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوّة ، وعلمتنا القرآن ، وفقّهتنا في الدين ، وجعلت لنا أسماعا وأبصارا وأفئدة ، ولم تجعلنا من المشركين . أما بعد : فإني لا أعلم أصحابا أولى ولا خيرا من أصحابي ، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي ، فجزاكم اللّه عنى جميعا خيرا ألا وإني أظن يومنا من هؤلاء الأعداء غدا . ألا وإني قد رأيت لكم ، فانطلقوا جميعا في حلّ ، ليس عليكم من ذمام ، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا ، ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ، ثم تفرقوا في سوادكم ومدائنكم ، حتى يفرّج اللّه ، فإن القوم إنما يطلبوننى ، ولو قد أصابونى لهوا عن طلب غيرى » .
--> ( 1 ) التقى عمر بن سعد والحسين مرارا ثلاثا أو أربعا ، وكتب عمر بعدها إلى عبيد اللّه بن زياد : « أما بعد : فإن اللّه قد أطفأ النائرة ، وجمع الكلمة ، وأصلح أمر هذه الأمة ، هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى ، أو أن نسيره إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئنا ، فيكون رجلا من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم ، أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده فيرى فيما بينه وبينه رأيه ، وفي هذا لكم رضا وللأمة صلاح » فلما قرأ عبيد اللّه الكتاب قال : هذا كتاب رجل ناصح لأميره مشفق على قومه نعم قد قبلت ، ولكن شمر بن ذي الجوشن ثناه عن القبول ، فكتب إلى عمر بن سعد كتابا يقول فيه : « أما بعد ، فإني لم أبعثك إلى حسين لتكف عنه ، ولا لتطاوله ، ولا لتمنيه السلامة والبقاء ، ولا لتقعد له عندي شافعا ، انظر فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم إلى سلما ، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم ، فإنهم لذلك مستحقون ، فإن قتل حسين فأوطئ الخيل صدره وظهره فإنه عاق مشاق قاطع ظلوم » . ( 4 - جمهرة خطب العرب - ثان )