أحمد زكي صفوت
43
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
أخرج من الحجاز إلى العراق ، وقد علم أنه ليس له من الأمر معي شيء ، وأن الناس لم يعدلوه « 1 » بي ، فودّ أنى خرجت منها لتخلو له » . فلما كان من العشىّ أو من الغد ، أنى الحسين عبد اللّه بن العباس . فقال : « يا ابن عم ، إني أتصبّر ولا أصبر ، إني أتخوف عليك في هذه الوجه الهلاك والاستئصال ، إن أهل العراق قوم غدر « 2 » ، فلا تقربنّهم ، أقم بهذا البلد ، فإنك سيد أهل الحجاز ، فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا ، فاكتب إليهم فلينفوا عدوهم ، ثم اقدم عليهم ، فإن أبيت إلا أن تخرج ، فسر إلى اليمن ، فإن بها حصونا وشعابا « 3 » وهي أرض عريضة طويلة ، ولأبيك بها شيعة ، وأنت عن الناس في عزلة ، فتكتب إلى الناس وترسل ، وتبثّ دعاتك ، فإني أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحبّ في عافية . فقال له الحسين : « يا ابن عم ، إني واللّه لأعلم أنك ناصح مشفق ولكني قد أزمعت وأجمعت « 4 » على المسير » فقال له ابن عباس : « فإن كنت سائرا ، فلا تسر بنسائك وصبيتك ، فو اللّه إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ، ونساؤه وولده ينظرون إليه » ثم قال ابن عباس : « لقد أقررت عين ابن الزبير بتخليتك إياه والحجاز ، والخروج منها ، وهو اليوم لا ينظر إليه أحد معك « 5 » ، واللّه الذي لا إله إلا هو ، لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع علىّ وعليك الناس أطعتنى ، لفعلت ذلك » ثم خرج ابن عباس من عنده ، فمرّ بعبد اللّه بن الزبير . فقال : قرّت عينك يا ابن الزبير ، ثم قال :
--> ( 1 ) أي لم يسووه . ( 2 ) جمع غدور كصبور . ( 3 ) الشعب بالكسر : الطريق في الجبل ، وما انفرج بين جبلين . ( 4 ) يقال : أجمعت السفر ، وأجمعت عليه ، وأزمعت السفر وعليه عزمت عليه وثبت عليه همى . ( 5 ) أي مع وجودك .