أحمد زكي صفوت

40

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

وتكلم الأشراف بنحو من كلام هذا ، فلما سمع الناس مقالتهم أخذوا يتفرقون وينصرفون عن ابن عقيل ، حتى أمسى وما معه إلا ثلاثون نفسا ، فخرج متوجها نحو أبواب كندة ، فبلغ الأبواب ومعه منهم عشرة ، ثم خرج من الباب وإذا ليس معه إنسان ، فمضى على وجهه في أزقّة الكوفة ، حتى انتهى إلى باب عجوز فسألها أن تؤويه فآوته في دارها . 26 - خطبة عبيد اللّه بن زياد ولما انفضت جموع ابن عقيل ، خرج عبيد اللّه بن زياد إلى المسجد ، وأمر فنودي « ألا برئت الذمة من رجل صلّى العتمة « 1 » إلا في المسجد » ، فلم يكن إلا ساعة حتى امتلأ من الناس ، فصلى بهم ، ثم قام فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : « أما بعد : فإن ابن عقيل السفيه الجاهل ، قد أتى ما قد رأيتم من الخلاف والشقاق ، فبرئت ذمة اللّه من رجل وجدناه في داره ، ومن جاء به فله ديته ، اتقوا اللّه عباد اللّه ، والزموا طاعتكم وبيعتكم ، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا . يا حصين بن نمير « 2 » ، ثكلتك « 3 » أمك إن صاح « 4 » باب سكّة من سكك الكوفة ، أو خرج هذا الرجل ولم تأتني به ، وقد سلّطتك على دور أهل الكوفة ، فابعث مراصدة على أفواه السكك ، وأصبح غدا واستبر الدّور « 5 » ، وجس خلالها ، حتى تأتيني بهذا الرجل » ثم نزل . وأصبح ابن تلك العجوز التي آوت مسلما ، فدل على مكانه ، فبعث ابن زياد محمد ابن الأشعث في ستين أو سبعين رجلا فأتى به ، وأمر به ، فأصعد إلى أعلى القصر ، وضرب

--> ( 1 ) العتمة : وقت صلاة العشاء . ( 2 ) وكان على شرط ابن زياد . ( 3 ) ثكله : فقده . ( 4 ) صاحه يصوحه فانصاح : أي شقه فانشق ، والمراد : فتح باب سكة وهرب . ( 5 ) سبر الجرح وغيره واستبره : امتحن غوره .