أحمد زكي صفوت
27
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
في الجاهلية والإسلام . ثم إنك تعلم ، وكل هؤلاء الرّهط يعلمون أنك هجوت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله بسبعين بيتا من الشعر . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله : اللهم إني لا أقول الشعر ولا ينبغي لي . اللهم العنه بكل حرف ألف لعنة . فعليك إذن من اللّه ما لا يحصى من اللعن ، وأما ما ذكرت من أمر عثمان فأنت سعرت « 1 » عليه الدنيا نارا ، ثم لحقت بفلسطين ، فلما أتاك قتله قلت : « أنا أبو عبد اللّه إذا نكأت قرحة أدميتها » ثم حبست نفسك إلى معاوية ، وبعت دينك بدنياه ، فلسنا نلومك على بغض ، ولا نعاتبك على ود ، وباللّه ما نصرت عثمان حيّا ولا غضبت له مقتولا ، ويحك يا ابن العاص ! ألست القائل في بني هاشم لما خرجت من مكة إلى النجاشىّ : تقول ابنتي : أين هذا الرحيل ؟ * وما السّير منى بمستنكر
--> - فامتنعت منه ، ثم إن عمرا جلس على منجاف السفينة يبول « منجاف السفينة هو سكانها الذي تعدل به » فدفعه عمارة في البحر ، فلما وقع عمرو سبح حتى أخذ بمنجاف السفينة ، وضغن عمرو عليه في نفسه ، وعلم أنه كان أراد قتله ومضيا حتى نزلا الحبشة ، فلما اطمأنا بها لم يلبث عمارة أن دب لامرأة النجاشي فأدخلته ، فاختلف إليها ، وجعل إذا رجع من مدخله ذلك يخبر عمرا بما كان من أمره ، فيقول عمرو : لا أصدقك أنك قدرت على هذا ، إن شأن هذه المرأة أرفع من ذلك ، فلما أكثر عليه عمارة بما كان يخبره ، ورأى عمرو من حاله وهيئته ومبيته عندها حتى يأتي إليه مع السحر ما عرف به ذلك ، قال له إن كنت صادقا فقل لها فلتدهنك بدهن النجاشي الذي لا يدهن به غيره ، فإني أعرفه وائتني بشئ منه حتى أصدقك ، قال : أفعل ، فسألها ذلك فدهنته منه وأعطته شيئا في قارورة ، فقال عمرو أشهد أنك قد صدقت لقد أصبت شيئا ما أصاب أحد من العرب مثله قط ، امرأة الملك ! ما سمعنا بمثل هذا ، ثم سكت عنه حتى اطمأن ودخل على النجاشي فأعلمه شأن عمارة وقدم إليه الدهن ، فلما أثبت أمره دعا بعمارة ، ودعا نسوة أخر فجردوه من ثيابه ثم أمرهن ينفخن في إحليله ثم خلى سبيله فخرج هاربا . ( 1 ) سعر النار : كمنع أوقدها . وكان عمرو أول خلافة عثمان واليا على مصر - منذ خلافة عمر ابن الخطاب - ثم إن عثمان ولى عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح - وهو أخو عثمان من الرضاع - خراج مصر ، وولى عمرو بن العاص على الجند فلم يتفقا ، فجمع لعبد اللّه الخراج والجند وعزل عمرا ، فلما قدم عمرو المدينة جعل يطعن على عثمان ويؤلب عليه ، وخرج عمرو بعدئذ حتى انتهى إلى أرض له بفلسطين ، فكان يقول : أنا أبو عبد اللّه إذا حككت قرحة نكأتها ، واللّه إن كنت لألقى الراعي فأحرضه عليه ( نكأ القرحة : قشرها قبل أن تبرأ فنديت ) .