أحمد زكي صفوت
99
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
على الهلاك ، فبينا عبد المطلب يثير بعيره ليركب ، إذ فجّر اللّه له عينا من تحت جرانه ، فحمد اللّه وعلم أن ذلك منه ، فشرب وشرب أصحابه ريّهم وتزودوا منه حاجتهم ، ونفد ماء الثقفيين ، فطلبوا إلى عبد المطلب أن يسقيهم فأنعم عليهم ، فقال له ابنه الحارث لأنحنينّ على سيفي حتى يخرج من ظهري ، فقال عبد المطلب : لأسقينهم فلا تفعل ذلك بنفسك فسقاهم ، ثم انطلقوا ، حتى أتوا الكاهن ، وقد خبئوا له رأس جرادة ، في خرزة مزادة « 1 » ، وجعلوه في قلادة كلب لهم يقال له سوّار ، فلما أتوا الكاهن إذا هم ببقرتين تسوقان بينهما بحزجا « 2 » كلتاهما تزعم أنه ولدها ، ولدتا في ليلة واحدة ، فأكل النّمر أحد البحزجين . فهما ترأمان « 3 » الباقي ، فلما وقفتا بين يديه . قال الكاهن : هل تدرون ما تريد هاتان البقرتان ؟ قالوا : لا . قال الكاهن : « ذهب به ذو جسد أربد « 4 » ، وشدق مرمّع « 5 » ، وناب معلق « 6 » ، ما للصغرى في ولد الكبرى حقّ » فقضى به للكبرى ، ثم قال : ما حاجتكم ؟ قالوا : قد خبأنا لك خبئا ، فأنبئنا عنه ، ثم نخبرك بحاجتنا ، قال : « خبأتم لي شيئا طار فسطع ، فتصوّب فوقع ، في الأرض منه بقع ، فقالوا : لاده ، أي بيّنه . قال : « هو شيء طار ، فاستطار ، ذو ذنب جرّار ، وساق كالمنشار ، ورأس كالمسمار » فقالوا : لاده ، قال : « إن لاده فلا ده « 7 » ، هو
--> ( 1 ) المزادة : الراوية ، والخرزة : السير يخرز به . ( 2 ) البحزج : ولد البقرة . ( 3 ) رئمت ولدها : عطفت عليه ولزمته . ( 4 ) من الربدة ( كصفرة ) : لون إلى الغبرة . ( 5 ) رمع كنع رمعانا ( بالتحريك ) وترمع : تحرك واضطرب ، وقوله مرمع : اسم فاعل من رمع المضعف ، يشير إلى أنه مفترس كاسر . ( 6 ) من أعلق الصائد إذا علق الصيد في حبالته أي نشب . ( 7 ) روى ابن الأعرابي إلاده فلا ده ساكن الهاء . ويروى إلاده فلا ده مكسور الهاء منونة ، قال ياقوت في معجمه : « يقول إن لم يكن قولي بيانا فلا بيان » وقال الزمخشري في المستصفى : « إن لاده فلا ده بفتح الدال ويكسر ، وهي كلمة فارسية معناها الضرب قد استعملتها العرب في كلامها . وأصله أن الموتور كان يلقى واتره فلا يتعرض له فيقال له ذلك ، والمعنى إنك إن لم تضربه الآن فلا تضربه أبدا ، والتقدير إن لا يكن ده فلا يكون ده : أي إن لا يوجد ضرب الساعة ، فلا يوجد ضرب أبدا ، ثم اتسعوا فيه فضربوه مثلا في كل شيء لا يقدم عليه الرجل ، وقد حان حينه ووجب إحداثه من قضاء دين قد حل أو حاجة طلبت ، أو ما أشبه ذلك من الأمور التي لا يسوغ تأخيرها » . وقال المنذري : « قالوا معناه إلا هذه فلا هذه ، يعنى أنه الأصل إلاذه فلا ذه بالذال المعجمة ، فعربت بالدال غير المعجمة كما قالوا يهوذا ثم عرب فقيل يهودا » .