أحمد زكي صفوت
95
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
صاحب اليمن يخبره أن بحيرة ساوة « 1 » غاضت تلك الليلة ، وكتب إليه صاحب السّماوة يخبره أن وادى السّماوة « 2 » انقطع تلك الليلة ، وكتب إليه صاحب طبريّة أن الماء لم يجر تلك الليلة في بحيرة طبرية ، وكتب إليه صاحب فارس يخبره أن بيوت النيران خمدت تلك الليلة ، ولم تخمد قبل ذلك بألف سنة ، فلما تواترت الكتب أبرز سريره وظهر لأهل مملكته فأخبرهم الخبر ، فقال الموبذان « 3 » : أيها الملك إني رأيت تلك الليلة رؤيا هالتنى ، قال له : وما رأيت ؟ قال : رأيت إبلا صعابا ، تقود خيلا عرابا ، قد اقتحمت دجلة وانتشرت في بلادنا ، قال : رأيت عظيما فما عندك في تأويلها ؟ قال : ما عندي فيها ولا في تأويلها شيء ، ولكن أرسل إلى عاملك بالحيرة يوجّه إليك رجلا من علمائهم ، فإنهم أصحاب علم بالحدثان ، فبعث إليه عبد المسيح بن بقيلة الغسّانى . فلما قدم عليه أخبره كسرى الخبر ، فقال له : أيها الملك ، واللّه ما عندي فيها ولا في تأويلها شيء ، ولكن جهّزنى إلى خال لي بالشام يقال له سطيح . قال : جهزوه ، فلما قدم إلى سطيح وجده قد احتضر ، فناداه فلم يجبه ، وكلمه فلم يرد عليه ، فقال عبد المسيح : أصمّ أم يسمع غطريف اليمن * يا فاصل الخطّة أعيت من ومن « 4 » أتاك شيخ الحىّ من آل سنن * أبيض فضفاض الرّداء والبدن « 5 » رسول قيل العجم يهوى للوثن * لا يرهب الرّعد ولا ريب الزمن « 6 »
--> ( 1 ) هكذا في العقد الفريد ، وفي السيرة الحلبية « وورد عليه كتاب من صاحب إيليا ( بالشام ) يخبره أن بحيرة ساوة غاضت تلك الليلة » وفي معجم البلدان : « ساوة مدينة حسنة بين الري وهمذان في وسط ، بينها وبين كل واحد من همذان والري ثلاثون فرسخا ، وفي حديث سطيح في أعلام النبوة : « وخمدت نار فارس وغارت بحيرة ساوة . . . الخ » ومنه يستفاد أنها في فارس . ( 2 ) موضع بين الكوفة والشأم . ( 3 ) الموبذان والموبذ : فقيه الفرس وحاكم المجوس . ( 4 ) الغطريف : السيد الشريف . ( 5 ) الفضفاض : الواسع . ( 6 ) القيل : الملك ؛ أو هو دون الملك الأعلى .