أحمد زكي صفوت

81

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

54 - أحد كهان اليمن يفصل في أمر هند بنت عتبة كان الفاكه بن المغيرة المخزومىّ أحد فتيان قريش ، وكان قد تزوج هند بنت عتبة ، وكان له بيت للضّيافة يغشاه الناس فيه بلا إذن ، فقال « 1 » يوما في ذلك البيت ، وهند معه ، ثم خرج عنها وتركها نائمة ؛ فجاء بعض من كان يغشى البيت ، فلما وجد المرأة نائمة ولّى عنها ، فاستقبله الفاكه بن المغيرة ، فدخل على هند وأنبها ، وقال : من هذا الخارج من عندك ؟ قالت : واللّه ما انتبهت حتى أنبهتنى ، وما رأيت أحدا قطّ ، قال : الحقي بأبيك ، وخاض الناس في أمرهم ، فقال لها أبوها : يا بنية العار « 2 » وإن كان كذبا ، بثّينى شأنك ، فإن كان الرجل صادقا دسست عليه من يقتله ، فيقطع عنك العار ، وإن كان كاذبا حاكمته إلى بعض كهّان اليمن ، قالت : واللّه يا أبت إنه لكاذب ، فخرج عتبة فقال : إنك رميت ابنتي بشئ عظيم ، فإما أن تبيّن ما قلت ، وإلا فحاكمنى إلى بعض كهان اليمن ، قال : ذلك لك ، فخرج الفاكه في جماعة من رجال قريش ، ونسوة من بنى مخزم ، وخرج عتبة في رجال ونسوة من بنى عبد مناف ، فلما شارفوا بلاد الكاهن تغيّر وجه هند ، وكسف بالها ، فقال لها أبوها : أي بنية ، ألا كان هذا قبل أن يشتهر في الناس خروجنا ؟ قالت : يا أبت واللّه ما ذلك لمكروه قبلي ، ولكنكم تأتون بشرا يخطئ ويصيب ، ولعله أن يسمنى بسمة تبقى على ألسنة العرب ، فقال لها أبوها : صدقت ، ولكني سأخبره لك ، فصفّر بفرسه ، فلما أدلى عمد إلى حبة برّ ، فأدخلها في إحليله ، ثم أوكى « 3 » عليها وسار ، فلما نزلوا على الكاهن أكرمهم ونحر لهم ، فقال له عتبة : إنا أتيناك في أمر ، وقد خبأنا لك خبيئة ، فما هي ؟ قال : برّة في

--> ( 1 ) قال قيلا وقائلة وقيلولة ومقيلا : نام في القائلة وهي نصف النهار . ( 2 ) أي اتق العار . ( 3 ) الوكاء ككتاب : حبل يشد به رأس القربة ، ووكاها وأوكاها وأوكى عليها شد فمها بالوكاء .