أحمد زكي صفوت
58
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
مقام سيوجف « 1 » بما ينطق به الرّكب ، وتعرف به كنه حالنا العجم والعرب ، ونحن جيرانك الأدنون ، وأعوانك المعينون ، خيولنا جمّة ، وجيوشنا فخمة ، إن استنجدتنا فغير ربض « 2 » ، وإن استطرقتنا « 3 » فغير جهض « 4 » ، وإن طلبتنا فغير غمض « 5 » ، لا ننثنى لذعر ، ولا نتنكّر لدهر ، رماحنا طوال ، وأعمارنا قصار » . قال كسرى : أنفس عزيزة وأمة ضعيفة ، قال الحرث : أيها الملك وأنّى يكون لضعيف عزّة أو لصغير مرّة ! قال كسرى : لو قصر عمرك ، لم تستول على لسانك نفسك . قال الحرث : أيها الملك إنّ الفارس إذا حمل نفسه على الكتيبة مغرّرا بنفسه على الموت ، فهي منيّة استقبلها ، وجنان استدبرها ، والعرب تعلم أنى أبعث الحرب قدما « 6 » ، وأحبسها وهي تصرّف بها ، حتى إذا جاشت نارها ، وسعرت لظاها ، وكشفت عن ساقها ، جعلت مقادها رمحى ، وبرقها سيفي ، ورعدها زئيرى ، ولم أقصّر عن خوص خضخاضها « 7 » ، حتى أنغمس في غمرات لججها ، وأكون فلكا لفرسانى إلى بحبوحة كبشها « 8 » ، فأستمطرها دما ، وأترك حماتها جزر « 9 » السّباع وكلّ نسر
--> ( 1 ) وجف الفرس والبعير عدا ، وأوجفته : أعديته ، يقال : أو جف فأعجف ( فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ) أي ما أعملتم . ( 2 ) يقال : رجل ربض عن الحاجات لا ينهض فيها ، وهو هنا جمع ربوض بالفتح من ربضت الشاة كبركت الناقة : أي لا نتقاعس عن نصرتك ولا نحجم . ( 3 ) استطرقه فحلا : طلبه منه ليضرب في إبله ، هذا هو الأصل ، والمراد استعنت بنا . ( 4 ) أجهضت الناقة والمرأة ولدها : أسقطته ناقص الخلق ، والسقط : جهيض ، وجمعه جهض ، أي أن فحلنا إذا ضرب النياق ( نكحها ) لم تأت بجهض بل تنتج ، والمراد أنه إن استنجد بهم أثمر ذلك الاستنجاد ولم يخب . ( 5 ) من الغمض ، وهو النوم ، يقال ما غمضت ، ولا أغمضت ، ولا اغتمضت ، فالوصف من الأول غامض ، وللمبالغة غموض ، والجمع غمض أي فلا تنام عن نصرتك . ( 6 ) القدم : المضي أمام أمام ، وهو يمشى القدم : إذا مضى في الحرب . والقدم : المقدام الشجاع . وفي الحديث « طوبى لعبد مغبر قدم في سبيل اللّه » . ( 7 ) الخضخاض : نفط أسود رقيق تهنأ به الإبل الجرب ( ولعله خضاخضها ) بضم الخاء ، والخضاخض : المكان الكثير الماء . ( 8 ) سيد القوم وقائدهم . ( 9 ) أي قطعا .