أحمد زكي صفوت
50
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
وفود العرب على كسرى قدم النعمان بن المنذر على كسرى وعنده وفود الرّوم والهند والصين ، فذكروا من ملوكهم وبلادهم ، فافتخر النعمان بالعرب ، وفضلهم على جميع الأمم ، لا يستثنى فارس ولا غيرها ، فقال كسرى - وأخذته عزّة الملك - يا نعمان ، لقد فكرت في أمر العرب وغيرهم من الأمم ، ونظرت في حالة من يقدم علىّ من وفود الأمم ، فوجدت للروم حظا في اجتماع ألفتها ، وعظم سلطانها ، وكثرة مدائنها ، ووثيق بنيانها ، وأن لها دينا يبين حلالها وحرامها ، ويردّ سفيهها ، ويقيم جاهلها ، ورأيت الهند نحوا من ذلك في حكمتها وطبها ، مع كثرة أنهار بلادها وثمارها ، وعجيب صناعتها ، وطيب أشجارها ، ودقيق حسابها ، وكثرة عددها ، وكذلك الصين في اجتماعها ، وكثرة صناعات أيديها ، وفروسيتها وهمتها في آلة الحرب ، وصناعة الحديد ، وأن لها ملكا يجمعها ، والترك والخزر على ما بهم من سوء الحال في المعاش ، وقلة الرّيف « 1 » والثمار والحصون ، وما هو رأس عمارة الدنيا من المساكن والملابس ، لهم ملوك تضمّ قواصيهم ، وتدبر أمرهم ، ولم أر للعرب شيئا من خصال الخير في أمر دين ولا دنيا ، ولا حزم ولا قوّة ، ومع أن مما يدلّ على مهانتها وذلها ، وصغر همتها محلّتهم « 2 » التي هم بها مع الوحوش النافرة ، والطير الحائرة ، يقتلون أولادهم من الفاقة ، ويأكل بعضهم بعضا من الحاجة ، قد خرجوا من مطاعم الدنيا وملابسها ومشاربها ولهوها ولذّاتها ، فأفضل طعام ظفر به ناعمهم لحوم الإبل ، التي يعافها كثير من السباع ، لثقلها ، وسوء طعمها ، وخوف دائها ، وإن قرى أحدهم ضيفا عدّها مكرمة ،
--> ( 1 ) الريف : أرض فيها زرع وخصب ، والسعة في المأكل والمشرب . ( 2 ) حل المكان وبه يحل بالكسر والضم .