أحمد زكي صفوت

44

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

فأبى أن يقول بينهما شيئا ، فأتيا غيلان بن سلمة الثقفي ، فردّهما إلى حرملة ابن الأشعر المرّى ، فردّهما إلى هرم بن قطبة بن سنان الفزاري ، فانطلقا حتى نزلا به ، وقد ساقا الإبل معهما حتّى أشتت وأربعت ، لا يأتيان أحدا إلّا هاب أن يقضى بينهما ، فقال هرم : لعمري لأحكمنّ بينكما ثمّ لأفصلنّ ، فأعطيانى موثقا أطمئن إليه أن ترضيا بما أقول ، وتسلّما لما قضيت بينكما ، وأمرهما بالانصراف ، ووعدهما ذلك اليوم من قابل ، فانصرفا ، حتّى إذا بلغ الأجل خرجا إليه ، وأقام القوم عنده أياما . فأرسل هرم إلى عامر فأتاه سرّا لا يعلم به علقمة ، فقال يا عامر : قد كنت أرى لك رأيا ، وأن فيك خيرا . وما حبستك هذه الأيام إلّا لتنصرف عن صاحبك ، أتنافر رجلا لا تفخر أنت وقومك إلّا بآبائه ! فما الذي أنت به خير منه ؟ فقال عامر : نشدتك اللّه والرّحم أن لا تفضل علىّ علقمة ، فو اللّه لئن فعلت لا أفلح بعدها أبدا . هذه ناصيتي فاجززها واحتكم في مالي ، فإن كنت لا بدّ فاعلا ، فسوّ بيني وبينه ، قال : انصرف فسوف أرى رأيي . فخرج عامر وهو لا يشك أنه ينفّره « 1 » عليه ، ثم أرسل إلى علقمة سرا لا يعلم به عامر ، فأتاه ، وقال له مثل ما قال لعامر ، فرد عليه علقمة بما ردّ به عامر ، وانصرف وهو لا يشك أنه سيفضّل عليه عامرا . ثم إن هرما أرسل إلى بنيه وبنى أبيه : إني قائل غدا بين هذين الرجلين مقالة ، فإذا فعلت فليطرد بعضكم عشر جزائر ، فلينحرها عن علقمة ، ويطرد بعضكم عشر جزائر ، ينحرها عن عامر ، وفرقوا بين الناس لا تكون لهم جماعة ، وأصبح هرم مجلس مجلسه ، وأقبل الناس ، وأقبل علقمة وعامر حتى جلسا ، فقام هرم فقال : يا بنى جعفر ، قد تحاكمتما عندي ، وأنتما كركبتى

--> ( 1 ) أنفره عليه ونفره عليه : قضى له عليه بالغلبة .