أحمد زكي صفوت

372

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

وجعله باب دينه ، وأبان ببغضه المنافقين . وها هو ذا مفلّق الهام ، ومكسر الأصنام ، صلى والناس مشركون ، وأطاع والناس كارهون ، فلم يزل في ذلك حتى قتل مبارزى بدر ، وأفنى أهل أحد ، وهزم الأحزاب ، وقتل اللّه به أهل خيبر ، وفرق به جمع هوازن ؛ فيا لها من وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقا ، وردّة وشقاقا ، وزادت المؤمنين إيمانا ؛ قد اجتهدت في القول ، وبالغت في النصيحة ، وباللّه التوفيق . والسلام عليكم ورحمة اللّه » . فقال معاوية : يا أم الخير ، ما أردت بهذا الكلام إلا قتلى ، ولو قتلتك ما حرجت « 1 » في ذلك . قالت : واللّه ما يسوؤني يا ابن هند أن يجرى قتلى على يدي من يسعدني اللّه بشقائه . قال : هيهات يا كثيرة الفضول ! ما تقولين في عثمان بن عفان رحمه اللّه ؟ قالت : وما عسيت أن أقول في عثمان ؟ استخلفه الناس وهم به راضون ، وقتلوه وهم له كارهون . قال معاوية : يا أم الخير هذا ثناؤك الذي تثنين ؟ قالت لكن اللّه يشهد ، وكفى باللّه شهيدا ، ما أردت بعثمان نقصا . ولقد كان سبّاقا إلى الخيرات ، وإنه لرفيع الدرجة غدا . قال : فما تقولين في طلحة بن عبيد اللّه ؟ قالت : وما عسى أن أقول في طلحة ؟ اغتيل من مأمنه ، وأتى من حيث لم يحذر . وقد وعده رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الجنة . قال : فما تقولين في الزبير ؟ قالت : وما أقول في ابن عمة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وحواريّه « 2 » . وقد شهد له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالجنة . وأنا أسألك بحق اللّه يا معاوية ( فإن قريشا تحدثت أنك أحلمها ) أن تعفيني من هذه المسائل ، وتسألني عما شئت من غيرها . قال : نعم ونعمة « 3 » عين ، قد أعفيتك منها ، ثم أمر لها بجائزة رفيعة ، وردها مكرمة . ( العقد الفريد 1 : 132 ، ونهاية الأرب 7 : 241 . وصبح الأعشى 1 : 248 )

--> ( 1 ) أثمت . ( 2 ) الحوارى : الناصر ، أو ناصر الأنبياء . ( 3 ) أي أفعل ذلك إنعاما لعينك وإكراما .