أحمد زكي صفوت
333
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
وأما الطاعة لصاحبكم فإنا لا نراها ، إن صاحبكم قتل خليفتنا ، وفرّق جماعتنا ، وآوى ثأرنا « 1 » وقتلتنا ، وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله ، فنحن لا نرد ذلك عليه ، أرأيتم قتلة صاحبنا ، ألستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم ؟ فليدفعهم إلينا فلنقتلهم به ، ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة » . فقال له شبث : أيسرك يا معاوية أنك أمكنت من عمّار « 2 » تقتله ؟ فقال معاوية :
--> ( 1 ) الشار : قاتل حميمك . ( 2 ) هو عمار بن ياسر رضى اللّه عنه ، أحد السابقين الأولين ، وقد عذبه المشركون في بدء الدعوة الإسلامية فاحتمل العذاب ، وكان يعذب هو وأخوه وأبوه وأمه بالنار ، فمر بهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « صبرا آل ياسر فموعدكم الجنة . اللهم اغفر لآل ياسر » ومراد شبث بهذا القول إحراج معاوية . لقوله عليه الصلاة والسلام لعمار : « تقتلك الفئة الباغية » : أي إنك يا معاوية إن قتلت عمارا - وكان من أصحاب على - كنت من الفئة الباغية . وتفصيل الخبر في ذلك ما روته أم سلمة زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قالت : « لما بنى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مسجده بالمدينة أمر باللبن يضرب وما يحتاج إليه ، ثم قام فوضع رداءه فلما رأى ذلك المهاجرون والأنصار وضعوا أرديتهم وأكسيتهم يرتجزون ويقولون ويعملون . لئن قعدنا والنبي يعمل * ذاك إذن لعمل مضلل قالت : وكان عثمان بن عفان رجلا نظيفا متنظفا ، فكان يحمل اللبنة ويجافى بها عن ثوبه ، فإذا وضعها نفض كفيه ، ونظر إلى ثوبه ، فإذا أصابه شيء من التراب نفضه فنظر إليه على رضى اللّه عنه فأنشد : لا يستوى من يعمر المساجدا * يدأب فيها راكعا وساجدا وقائما طورا وطورا قاعدا * ومن يرى عن التراب حائدا فسمعها عمار بن ياسر فجعل يرتجزها وهو لا يدرى من يعنى ، فسمعه عثمان فقال : يا بن سمية ( وسمية أمه ) ما أعرفنى بمن تعرض ، ومعه جريدة ، فقال لتكفن أو لاعترضن بها وجهك ، فسمعه النبي وهو جالس في ظل حائط فقال : « عمار جلدة ما بين عيني وأنفى » فمن بلغ ذلك منه فقد بلغ منى ، وأشار بيده فوضعها بين عينيه فكف الناس عن ذلك ، وقالوا لعمار : إن رسول اللّه قد غضب فيك ، ونخاف أن ينزل فينا قرآن ، فقال : أنا أرضيه كما غضب ، فأقبل عليه فقال : يا رسول اللّه ما لي ولأصحابك ؟ قال : مالك ولهم ؟ قال يريدون فتلى ، يحملون لبنة ويحملون على لبنتين ، فأخذ به وطاف به في المسجد وجعل يمسح وجهه من التراب ويقول « يا بن سمية لا يقتلك أصحابي ، ولكن تقتلك الفئة الباغية » فلما قتل بصفين ، وروى هذا الحديث عبد اللّه ابن عمرو بن العاص ، قال معاوية : هم قتلوه ، لأنهم أخرجوه إلى القتل ، فلما بلغ ذلك عليا قال : ونحن قتلنا أيضا حمزة لأنا أخرجناه ( العقد الفريد 2 : 237 ) .