أحمد زكي صفوت

323

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

رابط الجأش ، وأيم اللّه ما أظن ذلك اليوم يبقى منهم ولا منا إلا الرّذال « 1 » » فقال عبد اللّه بن بديل : أنا واللّه أظن ذلك ، فبلغ كلامهما عليّا عليه السلام ، فقال لهما : « ليكن هذا الكلام مخزونا في صدوركما ، لا تظهراه ، ولا يسمعه منكما سامع ، إن اللّه كتب القتل على قوم والموت على آخرين ، وكلّ آتيه منيّته كما كتب اللّه له ، فطوبى للمجاهدين في سبيله ، والمقتولين في طاعته » فلما سمع هاشم بن عتبة ما قالاه أتى عليّا عليه السلام فقال : « سر بنا يا أمير المؤمنين ، إلى هؤلاء القوم القاسية قلوبهم ، الذين نبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم ، وعملوا في عباد اللّه ، بغير رضا اللّه ، فأحلّوا حرامه ، وحرّموا حلاله ، واستهوى « 2 » بهم الشيطان ، ووعدهم الأباطيل ، ومنّاهم الأماني ، حتى أزاغهم عن الهدى ، وقصد بهم قصد الرّدى ، وحبّب إليهم الدنيا ، فهم يقاتلون على دنياهم رغبة فيها ، كرغبتنا في الآخرة ، وانتجاز موعد ربنا ، وأنت يا أمير المؤمنين أقرب الناس من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله رحما ، وأفضل الناس سابقة وقدما ، وهم يا أمير المؤمنين يعلمون منك مثل الذي نعلم ، ولكن كتب عليهم الشقاء ، ومالت بهم الأهواء ، وكانوا ظالمين . فأيدينا مبسوطة لك بالسمع والطّاعة ، وقلوبنا منشرحة لك ببذل النصيحة ، وأنفسنا تنصرك على من خالفك ، وتولى الأمر دونك ، جذلة ، واللّه ما أحب أن لي ما على الأرض فما أقلّت « 3 » ، ولا ما تحت السماء فما أظلّت ، وأنّى واليت عدوّا لك ، وعاديت وليّا لك » . فقال علىّ عليه السلام : « اللهم ارزقه الشهادة في سبيلك والموافقة لنبيك » .

--> ( 1 ) الدون : الخسيس ، أو الردىء من كل شيء . ( 2 ) استهواه : استماله والفعل متعد ومفعوله هنا محذوف : أي استهوى الشيطان أتباعهم بهم - فالباء للسببية . ( 3 ) أي حملت .