أحمد زكي صفوت
310
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
أيها الناس إن أمر عثمان قد أعيا من شهده ، فكيف بمن غاب عنه ، وإن الناس بايعوا عليا غير واتر ولا موتور ، وكان طلحة والزبير ممن بايعاه ، ثم نكثا بيعته على غير حدث ، ألا وإنّ هذا الدين لا يحتمل الفتن ، وقد كانت بالبصرة أمس روعة ملمّة ، إن يشفع البلاء بمثلها فلا بقاء للناس ، وقد بايعت الأمة عليّا ، ولو ملكنا واللّه الأمور لم نختر لها غيره ، فادخل معاوية فيما دخل فيه الناس ، فإن قلت استعملني عثمان ثم لم يعزلنى فإن هذا قول لو جاز لم يقم للّه دين ، وكان لكل امرئ ما في يديه ، ولكن اللّه جعل للآخر من الولاة حقّ الأول ، وجعل الأمور موطأة ينسخ بعضها بعضا » ثم قعد . ( شرح ابن أبي الحديد 1 : 248 ) 193 - خطبة معاوية فقال معاوية : أنظر وتنظر وأستطلع رأى أهل الشام ، فمضت أيام ، وأمر معاوية مناديا ينادى : الصلاة جامعة ، فلما اجتمع الناس صعد المنبر ثم قال : « الحمد للّه الذي جعل الدعائم للإسلام أركانا ، والشرائع للإيمان برهانا ، يتوقد قبسه في الأرض المقدسة ، جعلها اللّه محل الأنبياء والصالحين من عباده ، فأحلهم أرض الشام ، ورضيهم لها ، لما سبق في مكنون علمه من طاعتهم ومناصحتهم خلفاءه والقوّام بأمره ، والذابّين عن دينه وحرماته ، ثم جعلهم لهذه الأمة نظاما ، وفي سبيل الخيرات أعلاما ، يردع اللّه بهم الناكثين ، ويجمع بهم ألفة المؤمنين ، واللّه نستعين على ما تشعب من أمر المسلمين بعد الالتئام ، وتباعد بعد القرب . اللهم انصرنا على أقوام يوقظون نائمنا ، ويخيفون آمننا ، ويريدون إراقة دمائنا ، وإخافة سبلنا ، وقد علم اللّه أنا لا نريد لهم عقابا ، ولا نهتك لهم حجابا ، ولا نوطئهم زلقا ، غير أن اللّه الحميد كسانا من الكرامة ثوبا لن ننزعه طوعا ، ما جاوب الصدى ، وسقط الندى ، وعرف الهدى ، حملهم على ذلك البغى والحسد ، فنستعين باللّه عليهم .