أحمد زكي صفوت
300
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
فخرج القعقاع حتى قدم البصرة فبدأ بعائشة رضى اللّه عنها ، فسلم عليها ، وقال : أي أمّه : ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة ؟ قالت : أي بنىّ : إصلاح بين الناس ، قال : فابعثى إلى طلحة والزبير ، حتى تسمعي كلامي وكلامهما ، فبعثت إليهما فجاءا ، فقال : إني سألت أم المؤمنين ما أشخصها وأقدمها هذه البلاد ؟ فقالت : إصلاح بين الناس ، فما تقولان أنتما ؟ أمتابعان أم مخالفان ؟ قالا : متابعان ، قال : فأخبراني ، ما وجه هذا الإصلاح ؟ فو اللّه لئن عرفناه لنصلحنّ ، ولئن أنكرناه لا نصلح ، قالا : قتلة عثمان رضى اللّه عنه ، فإن هذا إن ترك كان تركا للقرآن ، وإن عمل به كان إحياء للقرآن ، فقال : قد قتلتما قتلة عثمان من أهل البصرة ، وأنتم قبل قتلهم أقرب إلى الاستقامة منكم اليوم ، قتلتم ستمائة إلا رجلا ، فغضب لهم ستة آلاف ، واعتزلوكم ، وخرجوا من بين أظهركم ، وطلبتم ذلك الذي أفلت - يعنى حرقوص بن زهير - فمنعه ستة آلاف وهم على رجل ، فإن تركتموه كنتم تاركين لما تقولون ، فإن قاتلتموهم والذين اعتزلوكم فأديلوا « 1 » عليكم ، فالذي حذرتم وقربتم « 2 » به هذا الأمر أعظم مما أراكم تكرهون ، وأنتم أحميتم مضر وربيعة من هذه البلاد ، فاجتمعوا على حربكم وخذلانكم نصرة لهؤلاء كما اجتمع هؤلاء لأهل هذا الحدث العظيم ، والذنب الكبير » . فقالت أم المؤمنين : فتقول أنت ما ذا ؟ قال : أقول هذا الأمر دواؤه التسكين ، وإذا سكن اختلجوا « 3 » ، فإن أنتم بايعتمونا فعلامة خير ، وتباشير رحمة ، ودرك بثأر هذا الرجل ، وعافية وسلامة لهذه الأمة ، وإن أنتم أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر واعتسافه ، كانت علامة شرّ وذهاب هذا الثأر ، وبعثة اللّه في هذه الأمة هزاهزها « 4 » ، فآثروا العافية ترزقوها ، وكونوا مفاتيح الخير ، كما كنتم تكونون ، ولا تعرّضونا للبلاء ، ولا تعرّضوا
--> ( 1 ) أي غلبوكم وانتصروا عليكم . ( 2 ) قربه ( كسمع ) قرب منه ( ككرم ) . ( 3 ) اضطربوا وتفككوا . ( 4 ) الهزهزة والهزاهز : تحريك البلايا والحروب الناس .