أحمد زكي صفوت
258
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
128 - خطبة معاذ بن جبل عند موت أبى عبيدة فقام معاذ بن جبل في الناس فقال : « يا أيها النّاس ، توبوا إلى اللّه من ذنوبكم توبة ، فإن عبدا أن يلقى اللّه عزّ وجلّ تائبا من ذنبه ، كان حقّا على اللّه أن يغفر له ذنوبه ، ومن كان عليه دين فليقضه ، فإنّ العبد مرتهن بدينه ، ومن أصبح منكم مصارما « 1 » مسلما فليلقه وليصالحه إذا لقيه وليصافحه ، فإنه لا ينبغي لمسلم أن يهجر أخاه المسلم أكثر من ثلاثة أيّام ، والذّنب في ذلك عند اللّه ، وأنكم أيّها المسلمون قد فجعتم برجل واللّه ما أزعم أنى رأيت منكم عبدا من عباد اللّه قط أقل غمرا « 2 » ، ولا أبرّ صدرا ، ولا أبعد من الغائلة « 3 » ، ولا أنصح للعامة ، ولا أشدّ عليهم تحنّنا وشفقة منه ، فترحّموا عليه ثم احضروا الصّلاة عليه ، غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر ، واللّه لا يلي عليكم بعده مثله أبدا » . فاجتمع النّاس ، وأخرج أبو عبيدة ، وتقدّم معاد فصلّى عليه ، حتى إذا أتى به قبره ، دخل قبره معاذ وعمرو بن العاص والضحاك بن قيس ، فلما وضعوه في قبره وخرجوا منه فسفوا عليه التراب ، قال معاذ : 129 - رثاء معاذ بن جبل لأبى عبيدة « رحمك اللّه يا أبا عبيدة ، فو اللّه لأثنينّ عليك بما علمت ، واللّه لا أقول باطلا ، أخاف أن يلحقني من اللّه مقت ، كنت واللّه - ما علمت - من الذاكرين اللّه كثيرا ، ومن الذين يمشون على الأرض هونا ، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ، ومن
--> ( 1 ) مقاطعا . ( 2 ) الغمر : الحقد . ( 3 ) الأمر النكر .