أحمد زكي صفوت
251
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
باغين على الناس ، وقد كانت لنا منكم يا معشر العرب جيران كنّا نحسن جوارهم ، ونعظم قدرهم ، ونفضل عليهم ، ونفى لهم بالعهد ، وخيّرناهم بلادنا ، ينزلون منها حيث شاءوا ، فينزلون آمنين ، ويرحلون آمنين ، وكنا نرى أن جميع العرب ممن لا يجاورنا سيشكر لنا ذلك الذي أتينا إلى إخوانهم ، وما اصطنعنا عندهم ، فلم يرعنا منكم إلا وقد فاجأتمونا بالخيل والرجال ، تقاتلوننا على حصوننا ، وتريدون أن تغلبونا على بلادنا ، وقد طلب هذا منا قبلكم من كان أكثر منكم عددا ، وأعظم مكيدة ، وأوفى جندا ، ثم رددناهم عنها ، فلم يرجعوا عنّا إلا وهم بين قتيل وأسير ، وأراد ذلك منا فارس ، فقد بلغكم كيف صنع اللّه عزّ جلّ بهم ، وأراد ذلك منا الترك فلقيناهم بأشد مما لقينا به فارس ، وأرادنا غيركم من أهل المشرق والمغرب من ذوى المنعة والعزّ والجنود العظيمة ، فكلهم أظفرنا اللّه بهم ، وصنع لنا عليهم ، ولم تكن أمة من الأمم بأرقّ عندنا منكم شأنا ، ولا أصغر أخطارا « 1 » إنما جلّكم رعاء الشاء والإبل ، وأهل الصخر والحجر والبؤس والشقاء ، فأنتم تطمعون أن نجلى لكم عن بلادنا ؟ بئس ما طمعتم فيه منا ، وقد ظننا أنه لم يأت بكم إلى بلادنا - ونحن يتقى كل من حولنا من الأمم العظيمة الشأن الكثيرة العدد ، مع كثرتنا وشدة شوكتنا - إلا جهد نزل بكم من جدوبة الأرض وقحط المطر ، وعثتم في بلادنا وأفسدتم كل الفساد ، وقد ركبتم مراكبنا ، وليست كمراكبكم ، ولبسم ثيابنا وليست كثيابكم ، وثياب الروم البيض كأنها صفائح الفضة ، وطعمتم من طعامنا وليس كطعامكم ، وأصبتم منا وملأتم أيديكم من الذهب الأحمر والفضة البيضاء والمتاع الفاخر ، وقد لقينا كم الآن وذلك كله لنا ، فهو في أيديكم ، فنحن نسلمه لكم فأخرجوا به وانصرفوا عن بلادنا ، فإن أبت أنفسكم إلا أن تحرصوا وتشرهوا ، وأردتم أن نزيدكم من بيوت أموالنا ما يقوى به الضعيف منكم ، ويرى الغائب أن قد
--> ( 1 ) أقدارا .