أحمد زكي صفوت
247
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
أبيتم فأدّوا الجزية إلينا في كل عام وأنتم صاغرون ، ونكفّ عنكم ، وإن أنتم أبيتم هاتين الخصلتين فليس شيء مما خلق اللّه عزّ وجلّ نحن قابلوه منكم ، فابرزوا إلينا حتى يحكم اللّه بيننا وهو خير الحاكمين ، فهذا ما نأمركم به وما ندعوكم إليه . وأما قولكم : « ما أدخلكم بلادنا وتركتم أرض الحبشة وليسوا منكم ببعيد ، وتركتم أهل فارس ، وقد هلك ملكهم » فإني أخبركم عن ذلك : ما بدأنا قتالكم لأنكم أقرب إلينا منهم ، وإنكم عندنا جميعا بالسواء ، وما جاءنا كتابنا بالكف عنهم ، ولكنّ اللّه عزّ وجل أنزل في كتابه على نبينا صلى اللّه عليه وسلم فقال : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ) وكنتم أقرب إلينا منهم ، فبدأنا بكم لذلك ، وقد أتاهم طائفة منا وهم يقاتلونهم ، وأرجو أن يظفرهم اللّه ويفتح عليهم فينصر . وأما قولكم : « إنّ ملكنا حىّ ، وإنّ جنودنا عظيمة ، وإنا عدد نجوم السماء وحصى الأرض » وتؤيسونا من الظهور عليكم فإنّ الأمر في ذلك ليس إليكم ، وإنما الأمور كلها إلى اللّه ، وكل شيء في قبضته وقدرته ، وإذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ، وإن يكن ملككم هرقل فإنّ ملكنا اللّه عزّ وجلّ الذي خلقنا ، وأميرنا رجل منا ، إن عمل فينا بكتاب ديننا وسنّة نبينا صلى اللّه عليه وسلم أقررناه علينا ، وإن عمل بغير ذلك عزلناه عنّا ، وإن هو سرق قطعنا يده ، وإن زنى جلدناه ، وإن شتم رجلا منّا شتمه كما شتمه ، وإن جرحه أقاده « 1 » من نفسه ، ولا يحتجب منا ، ولا يتكبر علينا ، ولا يستأثر علينا في فيئنا الذي أفاءه اللّه علينا وهو كرجل منا . وأما قولكم : « جنودنا كثيرة » فإنها وإن عظمت وكثرت حتى تكون أكثر من نجوم السماء وحصى الأرض ، فإنا لا نثق بها ولا نتكل عليها ، ولا نرجو النصر على
--> ( 1 ) أقصه .