أحمد زكي صفوت
240
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
الحسن ، وقبّح القبيح كله ، فإن أبيتم فأمر من الشر ، هو أهون من آخر شرّ منه ، الجزاء « 1 » ، فإن أبيتم فالمناجزة ، فإن أجبتم إلى ديننا خلّفنا فيكم كتاب اللّه ، وأقمناكم عليه ، على أن تحكموا بأحكامه ، ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم ، وإن اتقيتمونا بالجزاء قبلنا ومنعناكم ، وإلّا قاتلناكم » . * * * فقال يزدجرد : إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا ، ولا أسوأ ذات بين منكم ، قد نوكّل بكم قرى الضواحي فيكفونناكم ، لا تغزوكم فارس ، ولا تطمعون أن تقوموا لهم ، فإن كان غرور لحقكم ، فلا يغرّنكم منا ، وإن كان الجهد دعاكم ، فرضنا لكم قوتا إلى خصبكم ، وأكرمنا وجوهكم ، وكسوناكم ، وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم ، فقام المغيرة بن زرارة فقال : 112 - خطبة المغيرة بن زرارة أيها الملك : إن هؤلاء رؤوس العرب ووجوههم ، وهم أشراف يستحيون من الأشراف ، وإنما يكرم الأشراف الأشراف . ويعظّم حقوق الأشراف الأشراف ، ويفخم الأشراف الأشراف ، وليس كل ما أرسلوا به جمعوه لك ، ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه ، وقد أحسنوا ولا يحسن بمثلهم إلا ذلك ، فجاوبنى لأكون الذي أبلّغك ، ويشهدون على ذلك ، إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالما ، فأما ما ذكرت من سوء الحال ، فما كان أسوأ حالا منا ، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع ، كنا نأكل الخنافس ، والجعلان « 2 » والعقارب والحيّات فنرى ذلك طعامنا ، وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض ، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أو بار الإبل ، وأشعار الغنم ، ديننا أن يقتل بعضنا
--> ( 1 ) الجزاء : جمع جزية . ( 2 ) جمع جعل بضم ففتح : وهو الحرباء .