أحمد زكي صفوت

232

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

103 - خطبة عتبة بن غزوان وفي سنة 14 ه وجه عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان إلى البصرة وأمره بنزولها بمن معه وقطع مادة أهل فارس عن الذين بالمدائن ونواحيها منهم ، فرفعوا له منبرا وقام يخطب فحمد اللّه وأثنى عليه ، وصلى على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ثم قال : « أما بعد : فإن الدنيا قد تولت حذّاء « 1 » مدبرة ، وقد آذنت أهلها بصرم « 2 » ، وإنما بقي منها صبابة « 3 » كصبابة الإناء يصطبّها صاحبها ، ألا وإنكم مفارقوها لا محالة ، ففارقوها بأحسن ما يحضركم ، ألا وإن من العجب أنى سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : إن الحجر الضخم يلقى في النار من شفيرها « 4 » ، فيهوى فيها سبعين خريفا « 5 » ، ولجهنم سبعة أبواب ما بين البابين منها مسيرة خمسمائة سنة ، ولتأتينّ عليها ساعة وهي كظيظ « 6 » بالزحام ، ولقد كنت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سابع سابعة ، ما لنا طعام إلا ورق البشام « 7 » ، حتى قرحت أشداقنا ، فوجدت أنا وسعد بن مالك تمرة ، فشققتها بيني وبينه نصفين ، والتقطت بردة فشققتها بيني وبينه ، فأتزرت بنصفها ، وأتزر بنصفها ، وما منا أحد اليوم إلا وهو أمير على مصر من الأمصار ، وإنه لم يكن نبوّة قط إلا تناسختها « 8 » جبرية ، وأنا أعوذ باللّه أن أكون في نفسي عظيما ، وفي أعين الناس صغيرا ، وستجربون الأمراء من بعدى ، فتعرفون وتنكرون » . ( تاريخ الطبري 4 : 1490 والعقد الفريد 2 : 156 ، والبيان والتبيين 2 : 27 ، والكامل لابن الأثير 2 : 188 )

--> ( 1 ) السريعة الماضية التي لا يتعلق بها شيء . ( 2 ) آذنت : أعلمت ، والصرم : القطع . ( 3 ) الصبابة : بقية الماء في الإناء . ( 4 ) الشفير : حرف كل شيء . ( 5 ) سنة : والمراد أنها بعيدة الأقطار شاسعة الأرجاء . ( 6 ) من كظه الطعام : ملأه حتى لا يطيق النفس ، ورجل كظ وكظيظ ومكظوظ تبهظه الأمور حتى يعجز عنها . ( 7 ) البشام : شجر عطر الرائحة يستاك به . ( 8 ) في الحديث « لم تكن نبوة إلا تناسخت » أي تحولت من حال إلى حال ، يعنى أمر الأمة وتغاير أحوالها ، والجبرية الجبروت .