أحمد زكي صفوت

219

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

ومن أظهر لنا شرّا ظننا به شرّا ، وأبغضناه عليه ، اقدعوا « 1 » هذه النفوس عن شهواتها ، فإنها طلعة « 2 » وإنكم إلّا تقدعوها تنزع بكم إلى شرّ غاية ، إن هذا الحق ثقيل مريء « 3 » ، وإن الباطل خفيف وبىء « 4 » ، وترك الخطيئة خير من معالجة التوبة ، ورب نظرة زرعت شهوة ، وشهوة ساعة أورثت حزنا طويلا » . وفي رواية صاحب العقد : « ألا وإني إنما أبعث عمالي ليعلموكم دينكم وسنتكم ، ولا أبعثهم ليضربوا ظهوركم ، ويأخذوا أموالكم ، ألا من رابه شيء من ذلك فليرفعه إلىّ ، فو الذي نفسي بيده لأقصّنّكم منه ، فقام عمرو بن العاص فقال : يا أمير المؤمنين ، أرأيت إن بعثت عاملا من عمالك ، فأدّب رجلا من رعيتك فضربه ، أتقصّه منه ؟ قال : نعم والذي نفس عمر بيده لأقصّنّه منه ، فقد رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقص من نفسه » . وفي رواية الطبري : وخطب عمر الناس يوم الجمعة فقال : « اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار ، أنى إنما بعثتهم ليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم ، وأن يقيموا فيهم فيئهم ، وأن يعدلوا ، فإن أشكل عليهم شيء رفعوه إلىّ » . « يا أيها الناس : إني واللّه ما أرسل إليكم عمالا ليضربوا أبشاركم ، ولا ليأخذوا أموالكم ، ولكني أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم ، فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلىّ ، فو الذي نفس عمر بيده لأقصّنّه منه » . فوثب عمرو بن العاص فقال : يا أمير المؤمنين : أرأيتك إن كان رجل من أمراء المسلمين على رعيّة فأدّب بعض رعيته إنك لتقصنه منه ؟ قال : إي والذي نفس عمر بيده إذن لأقصنه منه ، وكيف

--> ( 1 ) قدعه كمنعه : كفه . ( 2 ) نفس طلعة : تكثر التطلع إلى الشئ . ( 3 ) حميد العاقبة . ( 4 ) وخيم العاقبة .