أحمد زكي صفوت
216
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
يتجرون لكم ، تستصفون « 1 » معايشهم وكدائحهم ورشح جباههم ، عليهم المئونة ولكم المنفعة ، وأمة تنتظر وقائع اللّه وسطواته في كل يوم وليلة ، قد ملأ اللّه قلوبهم رعبا ، فليس لهم معقل يلجئون إليه ، ولا مهرب يتقون به ، قد دهمتهم جنود اللّه عز وجل ، ونزلت بساحتهم مع رفاغة « 2 » العيش ، واستفاضة المال ، وتتابع البعوث ، وسدّ الثغور بإذن اللّه في العافية الجليلة العامة ، التي لم تكن هذه الأمة على أحسن منها مذ كان الإسلام ، واللّه المحمود مع الفتوح العظام في كل بلد ، فما عسى أن يبلغ مع هذا شكر الشاكرين ، وذكر الذاكرين ، واجتهاد المجتهدين ، مع هذه النعم التي لا يحصى عددها ، ولا يقدر قدرها ، ولا يستطاع أداء حقها ، إلا بعون اللّه ورحمته ولطفه . فنسأل اللّه الذي لا إله إلا هو ، الذي أبلانا هذا ، أن يرزقنا العمل بطاعته ، والمسارعة إلى مرضاته . فاذكروا عباد اللّه بلاء اللّه عندكم ، واستتموا نعمة اللّه عليكم ، وفي مجالسكم مثنى وفرادى فإن اللّه عز وجل قال لموسى : « أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ » وقال لمحمد صلى اللّه عليه وسلم : « وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ » فلو كنتم إذ كنتم مستضعفين محرومين خير الدنيا على شعبة من الحق تؤمنون بها ، وتستريحون إليها ، مع المعرفة باللّه ودينه ، وترجون بها الخير فيما بعد الموت لكان ذلك ، ولكنكم كنتم أشد الناس معيشة ، وأعظم الناس باللّه جهالة . فلو كان هذا الذي ابتلاكم به لم يكن معه حظ في دنياكم . غير أنه ثقة لكم في آخرتكم ؛ التي إليها المعاد والمنقلب ، وأنتم من جهد المعيشة على ما كنتم عليه ، كنتم أحرياء أن تشحّوا على نصيبكم منه ، وأن تظهروه على غيره فبله « 3 » ما أنه قد جمع لكم فضيلة الدنيا ، وكرامة الآخرة ، أو لمن شاء أن يجمع له ذلك منكم . فأذكركم اللّه الحائل بينكم وبين قلوبكم ، إلا ما عرفتم حق اللّه
--> ( 1 ) استصفى الشئ : أخذ منه صفوه . ( 2 ) رفغ عيشه ككرم رفاغة : اتسع ، والرفاغة والرفاغية : سعة العيش والخصب والسعة . ( 3 ) بله : اسم فعل بمعنى دع واترك ، فما بعدها منصوب ، ومصدر بمعنى الترك ، فما بعدها مجرور بالإضافة ، واسم مرادف لكيف فما بعدها مرفوع بالابتداء .