أحمد زكي صفوت

198

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

أهلها ، وإذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم وابدأهم بالخير ، وعدهم إياه ، وإذا وعظتهم فأوجز ، فإنّ كثير الكلام ينسى بعضه بعضا ، وأصلح نفسك يصلح لك الناس ، وصلّ الصّلوات لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشّع فيها ، وإذا قدم عليك رسل عدوك فأكرمهم وأقلل لبثهم حتى يخرجوا من عسكرك وهم جاهلون به ، ولا تريّثهم « 1 » فيروا خللك ، ويعلموا علمك ، وأنزلهم في ثروة عسكرك ، وامنع من قبلك من محادثتهم ، وكن أنت المتولّى لكلامهم ، ولا تجعل سرك لعلانيتك ، فيختلط أمرك ، وإذا استشرت فاصدق الحديث تصدق المشورة ، ولا تخزن عن المشير خبرك ، فتؤتى من قبل نفسك ، وأسمر بالليل في أصحابك تأتك الأخبار ، وتنكشف عندك الأستار ، وأكثر حرسك وبدّدهم في عسكرك ، وأكثر مفاجأتهم في محارسهم بغير علم منهم بك ، فمن وجدته غفل عن محرسه ، فأحسن أدبه وعاقبه في غير إفراط ، وعقّب « 2 » بينهم بالليل ، واجعل النّوبة الأولى أطول من الأخيرة ، فإنها أيسرهما لقربها من النهار ، ولا تخف من عقوبة المستحق ، ولا تلجّنّ فيها ، ولا تسرع إليها ، ولا تخذ لها مدقعا « 3 » ، ولا تغفل عن أهل عسكرك فتفسده ، ولا تجسّس عليهم فتفضحهم ، ولا يكشف الناس عن أسرارهم ، واكتف بعلانيتهم ، ولا تجالس العبّاثين ، وجالس أهل الصدق والوفاء ، وأصدق اللّقاء ، ولا تجبن فيجبن الناس ، واجتنب الغلول « 4 » فإنه يقرّب الفقر ، ويدفع النصر ، وستجدون أقواما حبسوا أنفسهم في الصوامع ، فدعهم وما حبسوا أنفسهم له » . ( تاريخ الكامل لابن الأثير 2 : 196 )

--> ( 1 ) من الريث : وهو الابطاء . ( 2 ) عقبه تعقيبا : جاء بعقبه . ( 3 ) لا تخذ : من خذا يخذو كنصر وخذي يخذى كرضى إذا استرخى ، والمدقع : الملصق بالدقعاء أو الهارب أو أشد الهزلي هزالا ؛ أي ولا تضعف ، ولا تجبن أمام تنفيذ العقوبة وهو مقابل لقوله : ولا تسرع إليها . ( 4 ) غل غلولا : خان .