أحمد زكي صفوت

156

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

عباد اللّه بتقوى اللّه ، وأحثّكم على طاعته ، وأستفتح « 1 » بالذي هو خير ، أما بعد : أيها الناس اسمعوا منى أبين لكم ، فإني لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا . أيها الناس : إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم ، إلى أن تلقوا ربكم ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا . ألا هل بلّغت ؟ اللهمّ اشهد ! فمن كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها ، وإن ربا الجاهلية موضوع ، وإن أول ربا أبدا به ربا عمى العباس بن عبد المطلب ، وإن دماء الجاهلية موضوعة ، وإن أوّل دم نبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب « 2 » ، وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السّدانة والسّقاية ، والعمد قود « 3 » ، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير ، فمن زاد ، فهو من أهل الجاهلية . أيها الناس : إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه ، ولكنه « 4 » قد رضى أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقّرون من أعمالكم ، أيها الناس : إنما النّسيء « 5 » زيادة

--> ( 1 ) الاستفتاح : الافتتاح والاستنصار . ( 2 ) وكان مسترضعا في بنى ليث فقتلته بنو هذيل . ( 3 ) القود : القصاص ، أي من قتل عمدا يقتل . ( 4 ) في رواية الكامل لابن الأثير : « إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه أبدا ، ولكنه يطاع فيما سوى ذلك ؛ وقد رضى بما تحقرون من أعمالكم » . ( 5 ) أي تأخير حرمة شهر إلى آخر ، وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه ، وحرموا مكانه شهرا آخر فيحلون المحرم ، ويحرمون صفرا ، فإن احتاجوا أحلوه وحرموا ربيعا الأول ، وهكذا حتى استدار التحريم على الشهور السنة كلها ، وكانوا يعتبرون في التحريم مجرد العدد لا خصوصية الأشهر المعلومة ، وأول من أحدث ذلك جنادة بن عوف الكناني ، كان يقوم على جمل في الموسم فينادى : إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه ، ثم ينادى في القبائل : إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم . فحرموه - زيادة في الكفر ، أي كفر آخر ضموه إلى كفرهم . ليواطئوا : أي يوافقوا عدة الأشهر الأربعة المحرمة ، وكانوا ربما زادوا في عدد الشهور بأن يجعلوها ثلاثة عشر أو أربعة عشر ليتسع لهم الوقت ويجعلوا أربعة أشهر من السنة حراما أيضا ، ولذا نص على العدد المبين في الكتاب والسنة ؛ وكان وقت حجهم يختلف من أجل ذلك ، وكان في السنة التاسعة التي حج فيها أبو بكر بالناس في ذي القعدة ، وفي حجة الوداع في ذي الحجة ، وهو الذي كان على عهد إبراهيم الخليل ومن قبله من الأنبياء ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام « إن الزمان قد استدار . . . الخ » - راجع تفسير الألوسى ج 3 ص 305