أحمد زكي صفوت
143
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
القناع ) فذهبت مثلا ، ثم أقبلت إلى الحارث فقال لها : ( ما وراءك يا عصام ) ؟ فأرسلها مثلا ، قالت : ( صرّح المخض عن الزّبد « 1 » ) ، فذهبت مثلا ، قال أخبريني ، قالت : أخبرك صدقا وحقّا : « رأيت جبهة كالمرآة الصّقيلة ، يزينها شعر حالك ، كأذناب الخيل المضفورة « 2 » ، إن أرسلته خلته السلاسل ، وإن مشطته قلت عنا قيد كرم جلاها الوابل « 3 » ، وحاجبين كأنهما خطا بقلم ، أو سوّدا بحمم « 4 » قد تقوّسا على عيني الظّبية العبهرة « 5 » التي لم يرعها قانص ، ولم يذعرها قسورة « 6 » ، بينهما أنف كحدّ السيف المصقول « 7 » ، لم يخنس به « 8 » قصر ، ولم يمض « 9 » به طول ، حفّت به وجنتان كالأرجوان « 10 » ، في بياض محض كالجمان « 11 » ، شقّ فيه فم كالخاتم ، لذيذ المبتسم ، فيه ثنايا غرّ ، ذوات أشر « 12 » ، وأسنان تبدو كالدّرر ، وريق كالخمر له نشر الرّوض بالسّحر ، يتقلب فيه لسان ذو فصاحة وبيان ، يحرّكه عقل وافر ، وجواب حاضر ، تلتقى دونه شفتان حمراوان كالورد ، يجلبان ريقا كالشّهد ، تحت ذلك عنق كإبريق الفضّة ، ركّب في صدر كصدر تمثال دمية « 13 » ، يتصل بها عضدان ممتلئان لحما ، مكتنزان « 14 » شحما ، وذراعان ليس فيهما عظم يحسّ ، ولا عرق يجسّ ، ركّبت فيهما كفّان ، دقيق
--> ( 1 ) مخض اللبن : أخذ زبده ، والتصريح : تبيين الأمر ، وهو مثل يضرب للأمر إذا انكشف وتبين . ( 2 ) في الأصل « المقصورة » وهو تحريف وصوابه « المضفورة » . ( 3 ) المطر الشديد الضخم القطر . ( 4 ) الحمم : الفحم . ( 5 ) العبهرة والعبهر : الرقيقة البشرة الناصعة البياض ، والسمينة الممتلئة الجسم . ( 6 ) القسورة : الرماة من الصيادين ، الواحد قسور . ( 7 ) في مجمع الأمثال « الصنيع » وهو السيف الصقيل المجرب . ( 8 ) خنس عنه كضرب وكرم تأخر « والخنس : محركة تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع قليل في الأرنبة ، خنس كفرح فهو أخنس وهي خنساء » . ( 9 ) وفي جمهرة الأمثال « ولم يمعن » . ( 10 ) الأرجوان : صبغ أحمر . ( 11 ) الجمان : اللؤلؤ ، أو هنوات أشكال اللؤلؤ من فضة . ( 12 ) أشر الأسنان : التحزيز الذي فيها . ( 13 ) الدمية : الصورة المنقشة من الرخام أو عام . ( 14 ) اكتنز : اجتمع وامتلأ .