أحمد زكي صفوت

106

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

أرجلهن ، واضعات أيديهن على أعينهن - وهي دواب تشبه اليرابيع « 1 » - فقعدت إلى الأرض واضعة يديها على عينيها ، وقالت لوصيفها : إذا ذهبت هذه المناجيد فأخبرني ، فلما ذهبت أعلمها ، فانطلقت مسرعة ، فلما عارضها خليج الحديقة التي فيها عمرو ، وثبت من الماء سلحفاة . فوقعت في الطريق على ظهرها ، وجعلت تروم الانقلاب فلا تستطيع ، وتستعين بذنبها ، فتحثو التراب على بطنها من جنباته ، وتقذف بالبول قذفا ، فلما رأتها طريفة جلست إلى الأرض ، فلما عادت السلحفاة إلى الماء ، مضت إلى أن دخلت على عمرو وذلك حين انتصف النهار في ساعة شديدة الحرّ ، فإذا الشجر يتكفّأ من غير ريح ، فلما رآها عمرو استحيا منها ، وأمر الجاريتين بالتنحّى ، ثم قال لها يا طريفة : فكهنت وقالت : « والنّور والظلماء ، والأرض والسماء ، إن الشجر لهالك ، وليعودنّ الماء كما كان في الزمان السّالك » . قال عمرو : ومن خبّرك بهذا ؟ قالت : « أخبرتني المناجد ، بسنين شدائد ، يقطع فيها الولد الوالد » قال : ما تقولين ؟ قالت . « أقول قول النّدمان لهفا ، لقد رأيت سلحفا « 2 » ، تجرف التراب جرفا ، وتقذف بالبول قذفا ، فدخلت الحديقة ، فإذا الشجر من غير ريح يتكفّا » قال عمرو : وما ترين ؟ قالت : « داهية دهياء ، من أمور جسيمة ، ومصائب عظيمة » قال : وما هو ؟ ويلك ! قالت : « أجل ، إنّ فيه الويل ، وما لك فيه من قيل « 3 » ، وإن الويل فيما يجيء به السيل » فألقى عمرو نفسه عن فراشه ، وقال : ما هذا يا طريفة ؟ قالت : « هو خطب جليل ، وحزن طويل ، وخلف قليل » قال : وما علامة ما تذكرين ؟ قالت « اذهب إلى السد ، فإذا رأيت جرذا يكثر بيديه في السدّ الحفر ، ويقلّب برجليه من أجلّ الصخر ، فاعلم أن غمر الغمر « 4 »

--> ( 1 ) اليربوع : دويبة نحو الفأرة لكن ذنبه وأذناه أطول منها ؛ ورجلاه أطول من يديه عكس الزرافة . ( 2 ) يقال : سلحفاة وسلحفاء وسلحفا ، ويقال أيضا سلحفا ساكنة اللام مفتوحة الحاء . ( 3 ) قال قيلا : نام في القائلة ، وهي نصف النهار ، والمراد هنا الإقامة والمكث . ( 4 ) الغمر : الماء الكثبر .