يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )

76

جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الفكر )

عنه ، فإذا اجتهد ونظر وقاس على ما أشبه ولم يأل وسعه العمل بذلك وإن أخطأ الذي ينبغي أن يقول به . وقال الشافعي : لا يقيس إلا من جمع آلات القياس وهي العلم بالأحكام من كتاب اللّه فرضه وأدبه وناسخه ومنسوخه وعامه وخاصه وإرشاده وندبه ، ويستدل على ما احتمل التأويل منه بسنن الرسول صلى اللّه عليه وسلم وبإجماع المسلمين ، فإذا لم يكن سنة ولا إجماع فالقياس على كتاب اللّه ، فإن لم يكن فالقياس على سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإن لم يكن فالقياس على قول عامة السلف الذين لا يعلم لهم مخالفا ، ولا يجوز القول في شيء من العلم إلا من هذه الأوجه أو من القياس عليها ، ولا يكون لأحد أن يقيس حتى يكون عالما بما مضى قبله من السنن وأقاويل السلف وإجماع الناس واختلافهم ولسان العرب ، ويكون صحيح العقل حتى يفرق بين المشتبه ولا يعجل بالقول ، ولا يمتنع من الاستماع ممن خلفه لأن له في ذلك تنبيها على غفلة ربما كانت منه ، أو تنبيها على فضل ما اعتقد من الصواب ، وعليه بلوغ غاية جهده والإنصاف من نفسه حتى يعرف من أين قال ما يقوله . قال : وإذا قاس من له القياس واختلفوا وسع كلا أن يقول بمبلغ اجتهاده ولم يسعه اتباع غيره فيما أداه إليه اجتهاده . والاختلاف على وجهين ، فما كان منصوصا لم يحل فيه الاختلاف ، وما كان يحتمل التأويل أو يدرك قياسا فذهب المتأول أو القياس إلى معنى يحتمل وخالفه غيره لم أقل إنه يضيق عليه ضيق الاختلاف في المنصوص . قال أبو عمر : هذا باب يتسع فيه القول جدا ، وقد ذكرنا منه كفاية ، وقد جاء عن الصحابة رضى اللّه عنهم من اجتهاد الرأي والقول بالقياس على الأصول عند عدمها ما يطول ذكره ، وسترى منه ما يكفى في كتابنا هذا إن شاء اللّه . وممن حفظ عنه أنه قال وأفتى مجتهدا رأيه وقايسا على الأصول فيما لم يجد فيه نصا من التابعين ، فمن أهل المدينة سعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، والقاسم