يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )
15
جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الفكر )
من حب المرء للمال والشرف ) وما كان في معناه من حديثه صلى اللّه عليه وسلم ونحو قول عمر بن الخطاب : ما فتح اللّه الدينار والدرهم أو الذهب والفضة على قوم إلا سفكوا دماءهم وقطعوا أرحامهم ، ونحو هذا مما روى عنه وعن غيره من السلف في هذا المعنى ، فوجه ذلك كله عند أهل العلم والفهم في المال المكتسب من الوجوه التي حرمها اللّه ولم يبحها ، وفي كل مال ، ما لم يطع اللّه جامعه في كسبه وعصى ربه من أجله وبسببه ، واستعان به على معصية اللّه وغضبه ولم يؤد حق اللّه وفرائضه فيه ومنه ، فذلك هو المال المذموم والمكسب المشئوم وأما إذا كان المال مكتسبا من وجه ما أباح اللّه وتأدت منه حقوقه ، وتقرب فيه إليه بالإنفاق في سبيله ومرضاته ، فذلك المال محمود ممدوح كاسبه ومنفقه ، لا خلاف بين العلماء في ذلك ، ولا يخالف فيه إلا من جهل أمر اللّه . وقد أثنى اللّه على إنفاق المال في غير آية ، ومحال أن ينفق ما لا يكتسب . قال اللّه عز وجل الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً الآية وقال يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً وقال لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ وقال الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ الآية . وقال لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وقال يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وقال مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ الآية . وما في القرآن من هذا المعنى كثير جدا . وكذلك السنن الصحاح كلها تنطق بهذا المعنى ، وهو الثابت عن الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين . قال صلى اللّه عليه وسلم ( كل معروف صدقة ) وقال ( اليد العليا خير من اليد السفلى ، واليد العليا المعطية والسفلى السائلة ) . وقال لسعد بن أبي وقاص ( لأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس ، وإنك لن تنفق نفقة إلا أجرت فيها ) الحديث . وقال صلى اللّه عليه وسلم أفضل درهم درهم تنفقه على عيالك ) والآثار في هذا متواترة جدا .