يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )

134

جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الفكر )

بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ فمنعهم الاقتداء بآبائهم من قبول الاهتداء فقالوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ وفي هؤلاء . ومثلهم قال اللّه جل وعز إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وقال إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وقال عز وجل عائبا لأهل الكفر وذاما لهم ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ وقال إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ومثل هذا في القرآن كثير من ذم تقليد الآباء والرؤساء . وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها . لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر ، وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجة للمقلد كما لو قلد رجل فكفر ، وقلد آخر فأذنب فقلد آخر في مسألة دنياه فأخطأ وجهها ، كان كل واحد ملوما على التقليد بغير حجة ، لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضا وإن اختلفت الآثام فيه . وقال اللّه جل وعز وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ وقد ثبت الاحتجاج بما قدمنا في الباب قبل هذا وفي ثبوته إبطال التقليد أيضا . فإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي بجب التسليم لها وهي الكتاب والسنة أو ما كان في معناهما بدليل جامع بين ذلك . أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو بكر عبد اللّه بن عمرو بن محمد العثماني بالمدينة قال حدثنا عبد اللّه بن مسلمة قال حدثنا كثير بن عبد اللّه بن عمرو بن عوف المزنى عن أبيه عن جده قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول ( إني لأخاف على أمتي من بعدى من أعمال ثلاثة . قال : وما هي يا رسول اللّه ؟ قال : أخاف عليهم من زلة العالم ومن حكم جائر ومن هوى متبع ) وبهذا الإسناد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال ( تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب اللّه وسنة رسوله ) .