يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )

11

جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الفكر )

اسمع وتعلم واعلم وعلم واهرب ، ألم تر إلى سفيان كيف طلب العلم فعلم وعلم وهرب ، وهكذا العلم إنما يدل على الهرب عن الدنيا ليس على طلبها . قال الحسن لا ينتفع بالموعظة من تمر على أذنيه صفحا كما أن المطر إذا وقع في أرض سبخة لم تنبت . وأنشد ابن عائشة : إذا قسا القلب لم تنفعه موعظة * كالأرض إن سبخت لم يحيها المطر والقطر تحيا به الأرض التي قحطت * والقلب فيه إذا ما لان مزدجر وقال مالك بن دينار : ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب . وقال الأصمعي : سمعت أعرابيا يقول : إذا دخلت الموعظة أذن الجاهل مرقت من الأذن الأخرى . وقال مالك بن دينار : إن العالم إذا لم يعمل زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا . وكان سوار يقول : كلام القلب يقرع القلب ، وكلام اللسان يمر على القلب صفحا . وقال زياد بن أبي سفيان : إذا خرج الكلام من القلب وقع في القلب ، وإذا خرج من اللسان لم يجاوز الآذان . وأنشد رجاء بن سهل : وكأن موعظة امرئ متنازح * عن قوله بفعاله هذيان وعن سلمان قال : يوشك أن يظهر العلم ، ويخزن العمل ، يتواصل الناس بألسنتهم ، ويتقاطعون بقلوبهم ، فإذا فعلوا ذلك طبع اللّه على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم . وبعضهم يروى هذا الحديث عن سلمان عن النبي صلى اللّه عليه وسلم مرفوعا . وقال بعض الحكماء : إذا كانت حياتي حياة السفيه ، وموتى موت الجاهل فما يغنى عنى ما جمعت من غرائب الحكمة . وقال الحسن بن آدم : ما يغنى عنك ما جمعت من حكمة الحكماء وأنت تجرى في العمل مجرى السفهاء .