علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
85
ثمرات الأوراق
فجاء بالنّاقة والحقيبة فيها مطارف « 1 » خزّ وأربعة آلاف دينار . وأعظمها وأجلّها السّيف . ومضى صاحب قيس بن سعد بن عبادة فصادفه نائما ، فقالت الجارية : هو نائم ، فما حاجتك إليه ؟ قال : ابن سبيل ومنقطع به ، قالت : حاجتك أهون من إيقاظه ، هذا كيس فيه سبعمائة دينار ؛ واللّه يعلم أنّ ما في دار قيس غيره ، خذه وامض إلى معاطن « 2 » الإبل ، إلى أموال « 3 » لنا بعلامتنا ، فخذ راحلة من رواحله وما يصلحها ، وعبدا ، وامض لشأنك . فقيل : إنّ قيسا لمّا انتبه من رقدته أخبرته بما صنعت ، فأعتقها . ومضى صاحب عرابة الأوسيّ إليه ، فألفاه قد خرج من منزله يريد الصلاة ، وهو يمشي على عبدين ، وقد كفّ بصره ، فقال : يا عرابة ، ابن سبيل ومنقطع به . قال : فخلّى العبدين ، وصفّق بيمينه على اليسرى « 4 » وقال : أوّاه أوّاه ! ما تركت الحقوق لعرابة مالا ؛ ولكن خذهما - يعني العبدين - قال : ما كنت الذي أقصّ جناحيك ؟ قال : إن لم تأخذهما فهما حرّان ، فإن شئت تأخذ وإن شئت تعتق ؛ وأقبل يلتمس الحائط بيده راجعا إلى منزله . قال : فأخذهما وجاء بهما . فثبت أنّهم أجود أهل عصرهم ، إلا أنهم حكموا لعرابة ؛ لأنه أعطى جهده . * * * نادرة غريبة حضر يعقوب بن إسحاق الكنديّ - المسمّى بوقته فيلسوف الإسلام - مجلس أحمد بن المعتصم ، وقد دخل عليه أبو تمام ، فأنشده قصيدته السينية المشهورة ، فلمّا بلغ إلى قوله : إقدام عمرو في سماحة حاتم * في حلم أحنف في ذكاء إياس « 5 » قال له الكنديّ : ما صنعت شيئا ، فقال : كيف ؟ قال : ما زدت على أن شبّهت ابن أمير المؤمنين بصعاليك « 6 » العرب . وأيضا فإن شعراء دهرنا تجاوزوا بالممدوح من كان قبله ، ألا ترى إلى قول العكوّك في أبي دلف : رجل أبرّ على شجاعة عامر * بأسا وغيّر في محيّا حاتم
--> ( 1 ) المطرف من الثياب : ما جعل في طرفه علمان . ( 2 ) المعاطن : مع معطن ، وهو مبرك الإبل . ( 3 ) كذا في ط ، وفي أ ، د : « مولى لنا » . والصحيح ما أثبتناه ، تريد بذلك الإبل ، وكانت عند العرب أكثر مالهم . ( 4 ) ج ، ط : « يسراه » . ( 5 ) ديوانه : 2 / 249 . ( 6 ) صعاليك الرعب : ذؤبانهم ولصوصهم .