علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
81
ثمرات الأوراق
من في المجلس ، ثم فكّها وركّبها تركيبا آخر فبكى كلّ من في المجلس ، ثم فكّها وغيّر تركيبها ، وحرّكها ، فنام كلّ من في المجلس حتى البوّاب . فتركهم نياما وخرج . وهو الّذي وضع القانون ، وكان منفردا بنفسه ، لا يجالس الناس ، وكان مدّة إقامته بدمشق لا يكون غالبا إلّا عند مجتمع المياه ، أو مشتبك الرّياض ، وهناك يؤلف كتبه ، وكان أزهد الناس في الدنيا ، لا يحتفل بأمر مسكن ولا مكسب . وسأله سيف الدّولة في مرتّب من بيت المال ، فقال : يكفيني أربعة دراهم . ولم يزل على ذلك إلى أن توفّي سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة بدمشق ، وصلّى عليه سيف الدّولة ، وأربعة من خواصّه وقد ناهز ثمانين سنة ، ودفن ظاهر دمشق خارج الباب الصّغير . رحمه اللّه تعالى ! * * * ومن المنقول من خطّ القاضي الفاضل أنّ نور الدين بن الشّهيد كتب إلى راشد الدين سنان صاحب القلاع الإسماعيليّة كتابا يهدّده فيه ، فشقّ ذلك على سنان ، وكتب إليه بما هو فوق الوصف بحكاية الحال ، وهو : يا ذا الذي بقراع السّيف هدّدنا * لا قام مصرع قلب كنت تصرعه قام الحمام إلى البازي يهدّده * واستصرخت بأسود الغاب أضبعه أضحى يسدّ فم الأفعى بإصبعه * يكفيه ماذا تلاقي منه إصبعه « 1 » وقفنا على تفصيله وجمله ، وعلمنا ما هدّدنا به من قوله وعمله ، فيا للّه ! العجب من ذبابة تطنّ في أذن الفيل ، وبعوضة تعدّ في التّماثيل ! ولقد قالها من قبلك قوم آخرون فدمّرنا عليهم فما كان لهم من ناصرين . أو للحق تدحضون ، وللباطل تنصرون « 2 » ! وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون . وأمّا ما صدر من قولك فتلك أمانيّ « 3 » كاذبة ، وخيالات غير صائبة ، فإنّ الجواهر لا تزول بالأعراض ، كما أن الأرواح لا تضمحلّ بالأمراض ، فإن عدنا إلى الظّواهر والمحسوسات ، وعدلنا عن البواطن والمعقولات ، فلنا أسوة برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قوله : « ما أوذي نبيّ بما أوذيت » . ولقد علمتم ما جرى على عترته ، وأهل بيته وشيعته ، والحال ما حال ، والأمر ما زال . وللّه الحمد في الآخرة والأولى . قل : إذ نحن مظلومون لا ظالمون ، ومغصوبون لا غاصبون . قل جاء الحقّ وزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقا . وقد علمتم ظاهر حالنا ، وكيفيّة رجالنا ، وما يتمنّونه من الفوت ، ويتقرّبون به إلى حياض
--> ( 1 ) هذا البيت ساقط من أب . ( 2 ) أ : « تبصرون » . ( 3 ) أ : « إيمان » .