علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

79

ثمرات الأوراق

كلّ عيد أضحى عادة ، وهو أن يسلّم إلى أبي بكر المذكور بغلا محمّلا ذهبا ، وجريدة تتضمّن أسماء قوم من حدّ القرافة إلى الجبّانة وما بينهما . قال أبو بكر المذكور : وكان يمشي معي صاحب الشّرطة ، ونقيب يعرف المنازل ، وأطوف من بعد العشاء الآخرة إلى آخر اللّيل حتّى أسلّم ذلك إلى من تضمّنت اسمه الجريدة ، فأطرق منزل كلّ إنسان ما بين رجل وامرأة ، وأقول : الأستاذ أبو المسك كافور الإخشيديّ يهنّئك بالعيد ، ويقول لك : اصرف هذا في منفعتك ، فأدفع إليه ما جعل له . وفي آخر وقت زاد في الجريدة الشّيخ أبا عبد اللّه بن جابار ، وجعل له في ذلك العيد مائة دينار ، فطفت في تلك الليلة ، وأنفقت المال في أربابه ، ولم يبق إلّا الصّرّة ، فجعلتها في كمّي ، وسرت مع النّقيب حتّى أتينا منزله بظاهر القرافة ، فطرقت الباب ، فنزل إلينا الشّيخ ، وعليه أثر السّهر ، فسلّمت عليه ، فلم يردّ عليّ ، وقال : ما حاجتك ؟ قلت : الأستاذ أبو المسك كافور يخصّ الشيخ بالسّلام ، فقال : وإلي بلدنا ؟ قلت : نعم ، قال : حفظه اللّه ، اللّه يعلم أنّي أدعو له في الخلوات وأدبار الصلوات بما اللّه سامعه ومستجيبه ، قلت : وقد أنفذ معي نفقة وهي هذه الصّرّة ، ويسألك قبولها لتصرف في مؤنة هذا العيد المبارك ، فقال : نحن رعيّته ، ونحبّه في اللّه تعالى ، وما نفسد هذه المحبة بعلّة . فراجعته القول ؛ فتبيّن لي الضّجر في وجهه والقلق ، واستحييت « 1 » من اللّه أن أقطعه عما هو عليه ، فتركته وانصرفت . قال : فجئت فوجدت الأمير قد تهيّأ للرّكوب وهو ينتظرني ، فلمّا رآني قال : إيه يا أبا بكر ، قلت : أرجو اللّه أن يستجيب فيك كلّ دعوة صالحة دعيت لك في هذه اللّيلة ، وفي هذا اليوم الشّريف ، فقال : الحمد للّه الّذي جعلني سببا لإيصال الرّاحة إلى عياله ، ثم أخبرته بامتناع ابن جابار ، فقال : نعم هو جديد ، لم تجر بيننا وبينه معاملة قبل هذا اليوم ، ثم قال لي : عد إليه ، واركب دابّة من دوابّ النّوبة ، واطرق بابه ، فإذا نزل إليك فإنّه سيقول لك : ألم تكن عندنا ؟ فلا تردّ عليه جوابا ، ثم استفتح واقرأ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى [ طه : 1 - 6 ] يا بن جابار : الأستاذ كافور يقول لك : ومن كافور العبد الأسود ! ومن هو مولاه ! ومن الخلق ! ليس لأحد مع اللّه ملك ولا شركة ، تلاشى النّاس كلّهم ها هنا ، أتدري من هو معطيك ؟ وعلى من رددت أنت ما سألت ! وإنّما هو أرسل لك يا بن جابار ، أنت ما تفرّق بين السّبب والمسبّب .

--> ( 1 ) في ط ، ب : « واستحيت » .