علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
75
ثمرات الأوراق
كتابا يتشوّقه فيه ويستعطفه ، ويستدعيه إلى حلب . ففهم الكاتب أنه يقصد له شرّا إذا جاء به إليه - وكان الكاتب صديقا إلى سديد الملك - فكتب الكاتب كما أمره مخدومه ، إلى أن بلغ إلى آخره ، وهو : « إن شاء اللّه » فشدّد النون وفتحها . فلمّا وصل الكتاب إلى سديد الملك عرضه على ابن عمّار صاحب طرابلس ومن بمجلسه من خواصّه ، فاستحسنوا عبارة الكاتب ، واستعظموا ما فيه من رغبة محمود فيه ، وإيثاره لقربه ، فقال سديد الملك : إني أرى ما لا ترون في الكتاب ، ثم أجاب عن الكتاب بما اقتضاه الحال ، وكتب في جملة فصول الكتاب : « إنّا الخادم المقرّ بالإنعام » ، وكسر الهمزة من « أنا » وشدّد النون . فلمّا وصل الكتاب إلى محمود ووقف عليه ، سرّ بما فيه وقال لأصدقائه : قد علمت أن الذي كتبه لا يخفى عليّ مثله ، وقد أجاب بما طيّب قلبي عليه . وكان الكاتب قد قصد قوله تعالى : إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ [ القصص : 19 ] ، فأجاب سديد الملك بقوله : إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها [ المائدة : 24 ] . وكانت هذه النادرة « 1 » معدودة من شدّة تيقّظه وفهمه « 2 » . * * * نبل ابن الفرات وحكى الصابي في « كتاب الأعيان والأماثل » « 3 » أنّ رجلا اتّصلت عطلته ، وانقطعت مادّته ، فزوّر كتابا من الوزير أبي الحسن عليّ بن الفرات وزير المقتدر باللّه العباسيّ ، إلى أبي زنبور الماذرائيّ عامل مصر يتضمّن المبالغة في الوصايا وزيادة الإكرام ، وعمل الصالح . فلمّا دخل مصر ، واجتمع بأبي زنبور « 4 » دفع إليه الكتاب ، فلمّا قرأ أبو زنبور الكتاب ارتاب في أمره لتغيّر لفظ الخطاب عما جرت به العادة ، وكون الدّعاء أكثر مما يقتضيه محله ، فراعاه مراعاة قريبة ، ووصله صلة قليلة ، وحبسه عنده على وعد به ، ثمّ كتب إلى أبي الحسن بن الفرات يذكر الكتاب الّذي ورد عليه ، وأنفذه بعينه إليه . فلمّا وقف عليه ابن الفرات عرف الرجل ، وذكر ما كان عليه من الحرمة ، وما له من الحقوق القديمة عليه ، فعرضه على كتّابه ، وعرّفهم الصّورة ، وعجب إليهم منها ، وقال لهم : ما الرأي في مثل هذا الرجل ؟ فقال بعضهم : تأديبه ، وقال بعضهم : قطع إبهامه ، وقال أجملهم محضرا : يكشف لأبي زنبور أمره ، ويرسم له بطرده وحرمانه .
--> ( 1 ) في ط : « هذه الحكاية » . ( 2 ) الخبر في ابن خلكان : 1 / 367 . ( 3 ) كذا في ابن خلكان . ( 4 ) ج ، ط : « ابن زيتون » .