علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

71

ثمرات الأوراق

خربة وفي يده حجر ، فهمّ أن يرميني به ، فتفرّست بالمحبرة والدّفتر ، فقال : ماذا تقول ؟ أتشتمني ؟ فقلت : اللّهمّ لا ، ولكنّي كنت عند أستاذنا أبي العباس المبرّد ، فأنشدنا مرثيّة زياد الأعجم في المغيرة بن المهلّب ، فقال : إيه إيه ! أنشدني ما أنشدكم باردكم لا مبرّدكم ، فأنشدته فقال : واللّه ما جوّد الراثي ولا أنصف المرثيّ ، ولا أحسن الرّاوي ؛ قلت : فما عساه أن يقول : قال : كان يقول : احملاني إن لم يكن لكما عق * ر إلى جنب قبره فاعقراني وانضحا من دمي عليه فقد كا * ن دمي من نداه لو تعلمان قال : فقلت : هل رأيت أحدا واسى أحدا بنفسه ؟ قال : نعم هذا الفتى الفتح بن خاقان ، طرح نفسه على المتوكّل حتى خلط لحمه بلحمه ، ودمه بدمه . ثم تركني وتولّى . فلمّا عدت إلى المبرّد قصصت عليه القصّة ، فقال : أتعرفه ؟ قلت : لا ، قال : ذلك خالد الكاتب ، تأخذه السّوداء أيام الباذنجان . قيل : كبر خالد الكاتب حتى دقّ عظمه ، ورقّ جلده ، وقوي به الوسواس ، ورئي ببغداد والصّبيان يتبعونه ، فأسند ظهره إلى قصر المعتصم والصبيان يصيحون : يا بارد ! فقال : كيف أكون باردا وأنا الذي أقول : بكى عاذلي من رحمتي فرحمته * وكم مثله من مسعد ومعين ! ورقّت دموع العين حتى كأنها * دموع دموعي لا دموع جفوني وحدّث أبو الحسن عليّ بن مقلة ، قال : حدّثني أبي عن عمّه ، قال : اجتاز بي خالد الكاتب وأنا على باب داري بسرّ من رأى ، والصّبيان حوله يلعبون « 1 » فجاءني لمّا رآني ، وسألني صرفهم عنه ، فصرفتهم وأدخلته داري ، وقلت له : ما تشتهي أن تأكل ؟ قال : هريسة ، فتقدّمت بإصلاحها له ، فلمّا أكل ، قلت : أيّ شيء تحبّ بعد هذا ؟ قال : رطب ، فأمرت بإحضاره فأكل ، فلمّا فرغ من أكله قلت له : أنشدني من شعرك ، فأنشدني : تناسيت ما أوعيت سمعك يا سمعي * كأنك بعد الضّرّ خال من النّفع فإن كنت مطبوعا على الصّدّ والجفا * فمن أين لي صبر فأجعله طبعي ! لئن كان أضحى فوق خدّيك روضة « 2 » * فإنّ على خدّي غديرا من الدمع فقلت : زدني ، فقال : لا يصيبك بهريستك ورطبك غير هذا .

--> ( 1 ) كذا في ج ، ط ، وفي باقي الأصول : « يولعون » . ( 2 ) د : « لئن كان قد أضحى بخديك » .